آخر تحديث :الجمعة-26 يونيو 2026-01:25ص

الميسري وقلق الحوثيين من المشروع الوطني

الجمعة - 26 يونيو 2026 - الساعة 12:43 ص

د. هزم أحمد
بقلم: د. هزم أحمد
- ارشيف الكاتب

في العمل السياسي لا تُقاس أهمية الشخصيات بما تشغله من مناصب بقدر ما تُقاس بحجم القلق الذي تثيره لدى خصومها. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة التصعيد الإعلامي الحوثي الأخير ضد المهندس أحمد الميسري، فالحملة لم تأتِ نتيجة حدث طارئ أو مواجهة مباشرة، وإنما تعكس حالة من الانشغال المتزايد بشخصية تمتلك حضوراً سياسياً ورصيداً وطنياً خارج إطار الاستقطابات التقليدية. لقد أدرك الحوثيون منذ وقت مبكر أن أخطر ما يواجه مشروعهم ليس السلاح وحده، بل بروز خطاب وطني جامع قادر على سحب المبررات التي تتغذى عليها الجماعة في توسيع نفوذها. فالمشاريع العقائدية لا تخشى الخصوم بقدر خشيتها من الأفكار القادرة على كشف تناقضاتها وإعادة بناء الوعي المجتمعي على أسس وطنية جامعة. ومن هنا يمكن فهم أسباب التركيز المتكرر على الميسري، إذ يمثل نموذجاً سياسياً يقوم على فكرة الدولة والشراكة الوطنية ورفض التبعية والهيمنة، وهي مرتكزات تتعارض جذرياً مع منطق الجماعات التي تقوم على احتكار السلطة وإعادة إنتاج الانقسام. إن ما يربك الجماعة اليوم ليس تحركاً سياسياً عابراً، بل إدراكها أن المزاج الشعبي اليمني يتجه تدريجياً نحو البحث عن مشروع وطني قادر على إنهاء حالة الصراع واستعادة مؤسسات الدولة. وفي مثل هذه الظروف تصبح الشخصيات التي تحمل هذا التصور محل مراقبة واستهداف دائمين. وتؤكد تجارب التاريخ أن الجماعات المؤدلجة تبدأ بالشعور بالخطر عندما تجد نفسها أمام مشروع وطني يمتلك القدرة على مخاطبة الناس بلغة المصالح المشتركة لا بلغة العصبيات والصراعات. ولهذا فإن الهجوم الحوثي المتكرر على الميسري يمكن قراءته كمؤشر على أن الفكرة الوطنية التي يمثلها باتت حاضرة في حسابات الجماعة أكثر من أي وقت مضى. وإذا كانت الحروب تبدأ بالسلاح فإن نهاياتها تبدأ بالأفكار، والفكرة التي تقوم على الدولة والمواطنة المتساوية تظل الأكثر قدرة على البقاء والانتصار، لأنها تخاطب مستقبل اليمنيين جميعاً لا مستقبل جماعة بعينها.