في زمن تتعالى فيه الأصوات المحذِّرة من التلوث، والتصحر، واستنزاف الموارد، وتزداد فيه المؤتمرات والاتفاقيات الدولية المعنية بحماية البيئة؛ يظن كثير من الناس أن الحديث عن البيئة قضية حديثة النشأة، أو أنها شأن يقتصر على العلماء والمتخصصين والخبراء. غير أن المتأمل في القرآن الكريم يدرك أن قضية البيئة ليست طارئة على الفكر الإسلامي، ولا دخيلة على ثقافة المسلمين؛ بل هي قضية أصيلة الجذور، ممتدة الحضور في كتاب الله عز وجل، ترتبط بالعقيدة والإيمان، وتتصل برسالة الإنسان في الأرض، وتمتد آثارها إلى الدنيا والآخرة.
فالبيئة في التصور القرآني ليست مجرد أشجار خضراء، أو أنهار جارية، أو جبال شامخة؛ وإنما هي الكون كله بما يحويه من إنسان وحيوان ونبات، ومن أرض وسماء، ومن ماء وهواء، ومن ليل ونهار، ومن بحار وأنهار. إنها المسرح الكبير الذي أعدّه الله للحياة، والكتاب المفتوح الذي تتجلى في صفحاته آيات القدرة والإبداع والحكمة.
وحين يفتح المؤمن صفحات القرآن الكريم؛ يجد نفسه أمام دعوة متكررة للنظر والتأمل والتفكر في هذا الكون الفسيح. فالقرآن لا يوجه الأنظار إلى البيئة باعتبارها مادة للاستهلاك أو موردا للانتفاع فحسب؛ وإنما باعتبارها شاهدا على عظمة الخالق سبحانه وتعالى.
فالأرض آية، والسماء آية، والماء آية، والشجر آية، والجبال آية، والطير آية؛ بل حتى الإنسان نفسه آية من آيات الله الدالة عليه. يقول سبحانه: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
فالقرآن ينقل الإنسان من النظر السطحي إلى النظر الإيماني العميق؛ فالمطر عند المؤمن ليس مجرد ظاهرة طبيعية؛ بل رحمة إلهية تتنزل من السماء. والزرع ليس مجرد محصول زراعي؛ بل رزق يسوقه الله لعباده. والجبال ليست كتلا صخرية صامتة؛ بل شواهد ناطقة على قدرة الخالق وحكمته.
ولهذا ربط القرآن بين التفكر في الكون وبين رسوخ الإيمان، فقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
ومن هنا كان التأمل في البيئة عبادة، والنظر في الكون طريقا إلى معرفة الله، وكلما ازداد الإنسان فهما لآيات الله الكونية؛ ازداد يقينا بآياته الشرعية.
ومن أروع ما يميز الرؤية القرآنية أنها لا تحصر الاهتمام في الإنسان وحده؛ بل توسع دائرة العناية لتشمل جميع المخلوقات؛ فالإنسان مكرم ومفضل؛ لكنه ليس الكائن الوحيد الذي له مكانته في هذا الكون. والحيوان في القرآن ليس مجرد أداة لخدمة الإنسان؛ بل هو أمة قائمة بذاتها، يقول تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾.
والنبات يسبح بحمد الله، والجبال تسبح بحمد الله، والبحار تجري بأمر الله، وكل مخلوق يؤدي دوره في منظومة كونية متكاملة ومتناسقة.
ومن هنا؛ فإن الاعتداء على البيئة لا يُنظر إليه في الإسلام على أنه مجرد مخالفة إدارية أو سلوك غير حضاري؛ بل هو في جوهره اعتداء على شيء من آيات الله المنتشرة في هذا الكون.
من يقرأ القرآن الكريم بعين المتدبر؛ يكتشف أنه يقدم عرضا مدهشا لمكونات البيئة ومظاهرها المختلفة؛ فهو يحدثنا عن الأرض التي جعلها الله قرارا للإنسان، وعن السماء المرفوعة بغير عمد، وعن الماء الذي جعله أصل الحياة كلها، وعن الأشجار والزروع والثمار، وعن النحل والنمل والطير والأنعام، وعن الجبال والبحار والأنهار والرياح والسحاب، وعن الشمس والقمر وتعاقب الليل والنهار...
وليس من المصادفة أن تحمل سور كاملة أسماء بعض المخلوقات؛ كسورة البقرة، وسورة النحل، وسورة النمل، وسورة العنكبوت. فكل ذلك دعوة مستمرة للإنسان كي يوقن أن هذا الكون لم يُخلق عبثا، وأن وراء هذا النظام البديع ربا عظيما حكيما.
بعد أن عرض القرآن هذه النعم الهائلة؛ لم يجعل الإنسان مالكا مطلق التصرف فيها، وإنما جعله خليفة وأمينا ومسؤولا عنها. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. والخلافة في المفهوم القرآني ليست تشريفاً مجردا؛ بل هي تكليف ومسؤولية وأمانة.
ومعنى ذلك أن الإنسان مأمور بعمارة الأرض؛ لا بتخريبها، وبإصلاحها؛ لا بإفسادها، وبحفظ مواردها؛ لا بإهدارها، وبأن يسلّمها للأجيال القادمة أفضل مما استلمها. ولهذا قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾؛ أي طلب منكم عمارتها وإصلاحها.
ومن هنا تتحول الأعمال البيئية في الإسلام إلى أعمال تعبدية عظيمة؛ فالزراعة عبادة؛ إذا قصد بها الخير، والغرس عبادة، وإحياء الأرض عبادة، والحفاظ على المياه عبادة، وحماية الحيوان عبادة، وإزالة الأذى عن البيئة عبادة.
وقد جسد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: «ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة».
إنها رؤية تجعل العلاقة مع البيئة جزءا من العلاقة مع الله تعالى.
من أعظم الحقائق التي يقررها القرآن أن الكون قائم على ميزان دقيق وتوازن محكم. قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾. فالميزان هنا ليس ميزان البيع والشراء فقط؛ بل هو قانون شامل يحكم الكون كله.
إن دورة المياه، وتعاقب الليل والنهار، وتوازن الغازات في الغلاف الجوي، والعلاقات المتبادلة بين الكائنات الحية، والسلاسل الغذائية؛ كلها مظاهر لذلك الميزان الدقيق الذي أودعه الله في خلقه.
ولذلك فإن أي عبث بهذا التوازن ينعكس مباشرة على حياة الإنسان. فإذا أُزيلت الغابات؛ تدهورت التربة، وإذا تلوثت المياه؛ انتشرت الأمراض، وإذا انقرضت بعض الكائنات؛ اختلت المنظومات البيئية، وإذا استنزفت الموارد بلا حكمة؛ ظهرت الأزمات والكوارث.
وهكذا يدرك الإنسان أن احترام البيئة ليس ترفا فكريا؛ بل ضرورة لبقاء الحياة واستقرارها.
إذا كان القرآن قد أمر بالإصلاح؛ فإنه نهى بشدة عن الفساد. قال تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.
والفساد في المفهوم القرآني واسع الدلالة، يشمل كل ما يضر بالإنسان أو الحيوان أو الموارد أو الحياة العامة.
ومن صور الفساد البيئي: إهدار المياه، وقطع الأشجار دون حاجة، وتلويث مصادر المياه، وإلقاء النفايات في الطرقات، وإحراق المراعي، والاعتداء على الحيوانات، واستنزاف الثروات الطبيعية بلا ضوابط...
وقد سبق الإسلام النظم الحديثة في التحذير من هذه الممارسات؛ فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلويث الطرقات ومصادر المياه، وجعل إزالة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان.
ومن أخطر مظاهر الإفساد كذلك الإسراف والتبذير؛ فكم من نعم تهدر كل يوم دون حاجة! وكم من موارد تستهلك لمجرد التفاخر والمباهاة!
ولهذا جاء التوجيه القرآني الحاسم: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
ولا يكتفي الإسلام بدعوة الإنسان إلى تجنب الفساد؛ بل يدعوه إلى الارتقاء نحو الإصلاح؛ فالمصلح في المنظور القرآني ليس من يمتنع عن الضرر فقط؛ بل من يشارك في البناء والتنمية والنفع العام؛ ولهذا جاء الحديث النبوي المدهش الذي يربط الأمل بالعمل حتى في أحلك الظروف: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسها فليغرسها».
إنها رسالة حضارية عميقة تقول للإنسان: كن صانعاً للحياة مهما كانت الظروف؛ فغرس الأشجار، والعناية بالحدائق، وحماية مصادر المياه، وترشيد الاستهلاك، والحفاظ على النظافة، والعناية بالحيوان، كلها أعمال صالحة يتقرب بها المؤمن إلى ربه.
وحين نتأمل سير الأنبياء عليهم السلام؛ نجد أن رسالتهم لم تكن دعوة روحية مجردة؛ بل كانت مشروعا متكاملا للإصلاح والبناء؛ فآدم عليه السلام بدأ رحلة الاستخلاف في الأرض، ونوح عليه السلام قدم نموذج التخطيط والعمل بصناعة السفينة، وداود عليه السلام كان يعمل بيده، وموسى عليه السلام رعى الغنم سنوات طويلة، ويوسف عليه السلام قدم نموذجا رائدا في إدارة الموارد والتخطيط للأزمات وحفظ الثروات.
كما قدمت السنة النبوية أروع النماذج في الرحمة بالمخلوقات؛ فجعلت سقي حيوان عطشان سببا للمغفرة، وجعلت تعذيب هرة سببا للعقوبة.
وهكذا تتجلى عظمة الإسلام في ربطه بين الإيمان والرحمة، وبين العبادة والعمران، وبين التقوى والإصلاح.
إن جوهر القضية البيئية في الإسلام ليس القوانين وحدها؛ بل القيم التي تحكم سلوك الإنسان؛ فقيمة الأمانة تجعل المسلم يحافظ على الموارد لأنها وديعة عنده. وقيمة المسؤولية تجعله يشعر بأنه محاسب أمام الله عن كل نعمة. وقيمة الشكر تدفعه إلى صيانة النعم وعدم العبث بها. وقيمة الرحمة توسع دائرة إحسانه لتشمل الإنسان والحيوان وسائر المخلوقات. وقيمة الاعتدال تمنعه من الإسراف والتبذير. وقيمة الجمال تجعله يحب النظافة والنظام والإتقان.
ولهذا فإن الأزمة البيئية في كثير من الأحيان ليست أزمة موارد بقدر ما هي أزمة ضمير وأخلاق.
وحماية البيئة ليست مهمة الحكومات وحدها، ولا مسؤولية الخبراء والمتخصصين فقط؛ بل هي واجب تشترك فيه جميع فئات المجتمع؛ فالفرد مسؤول عن سلوكه اليومي. والأسرة مسؤولة عن تربية الأبناء على احترام النعمة. والمسجد مسؤول عن ترسيخ الوعي الشرعي بقضايا البيئة. والمدرسة والجامعة مسؤولتان عن نشر الثقافة البيئية. والدولة مسؤولة عن سن الأنظمة التي تحمي الموارد وتمنع الاعتداء عليها.
لكن النجاح الحقيقي لا يتحقق بمجرد المعرفة؛ بل بتحويل المعرفة إلى سلوك عملي دائم.
وختاما: البيئة في المنظور الإسلامي ليست قضية هامشية، ولا موضوعا منفصلا عن الدين؛ بل هي جزء من رسالة الإنسان في الأرض، وامتداد لمعنى العبودية لله تعالى.
فالأرض أمانة، والماء أمانة، والهواء أمانة، والشجر أمانة، والحيوان أمانة، وكل ما في هذا الكون نعمة تستوجب الشكر والحفظ والرعاية.
وإذا أرادت الأمة أن تستعيد دورها الحضاري؛ فعليها أن تعود إلى هدي القرآن في التعامل مع الكون، فتغرس؛ بدل أن تقتلع، وتبني؛ بدل أن تهدم، وتصلح؛ بدل أن تفسد، وتحفظ النعمة؛ بدل أن تبددها.
وحين يتحول الوعي البيئي إلى ثقافة إيمانية وسلوك يومي، تصبح حماية البيئة عبادة، ويغدو الإصلاح مشروعاً مجتمعياً شاملاً، وتتحقق رسالة الاستخلاف التي أرادها الله للإنسان؛ فيكون بحق شاهدا على الناس، وخليفة صالحا في الأرض التي استأمنه الله عليها.
نسأل الله أن يعنّا على أداء الأمانة، وحسن القيام بالاستخلاف، وعمارة الأرض بما يرضيه عنا، وأن يجعلنا من المصلحين في الأرض لا مفسدين!
ودمتم سالمين!