آخر تحديث :الإثنين-22 يونيو 2026-06:06م

الشهامة والكرامة وكرم الأخلاق

الإثنين - 22 يونيو 2026 - الساعة 04:56 م

حسين أحمد الكلدي
بقلم: حسين أحمد الكلدي
- ارشيف الكاتب

قبل خمسةٍ وخمسين عامًا، كان أحد زملائنا في المرحلة الدراسية الأولى من التعليم القديم (المعلامة)، التي بدأنا فيها تعلم القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم. كان لنا زميل يكبرنا ببضع سنوات، بينما نحن جميعًا في بدايات تعلم الحروف الأبجدية وقراءة القرآن الكريم. كان زميلنا شديد الشقاوة نتيجة التدليل الزائد من والديه، بالإضافة إلى وجود مشكلات عائلية أثرت في تكوين شخصيته. وقد اتسم بطابع متمرد وعنيف جدا ؛ إذ كان يتشاجر مع أي شخص دون استثناء. وعندما تغيرت الأوضاع التعليمية، لم يلتحق معنا بالمدرسة الابتدائية، بل اتجه إلى العمل الخاص مع والده، إلا أنه لم يستمر طويلًا، فالتحق بعد ذلك بالجيش مع مجموعة من زملائه. وقد بذل هؤلاء الزملاء جهودًا كبيرة مضنية، وتحلوا بالالتزام والصبر حتى وصلوا إلى مراتب القيادة، فحققوا نجاحات أوصلتهم إلى مراتب عالية بفضل التزامهم بالأنظمة والمعايير المهنية الرفيعة وسعيهم الدؤوب نحو التميز. كما وصل بعضهم إلى مواقع قيادية في شركات ومؤسسات كبرى، بينما واصل آخرون تعليمهم حتى نالوا درجات علمية رفيعة، من بينها الدكتوراه. ومنهم من تخرج في السلك الدبلوماسي والسياسي والعسكري، ومنهم من تخصص في الطب البشري وفي التعليم. أما هو فقد استمر في التمرد وعدم السيطرة على انفعالاته، مما قاده في نهاية المطاف إلى تدمير نفسه وحياته الخاصة، وألحق الإضرار بمن حوله؛ لأنه لم يُعرِ الاهتمام بالالتزام واحترام الآخرين. فلم يكن له صديق أو قريب أو عزيز إلا وأصابه أذى مباشر منه. يقول أرسطو: "لكل منا انفعالاته، لكن الأشخاص الأسوياء الذين يشعرون بالأمان يعرفون كيف يتحكمون في ردود أفعالهم ويخففون من حدة انفعالاتهم". كما قال: "من السهل أن يغضب أي شخص، ولكن أن تغضب من الشخص المناسب، وبالقدر المناسب، وفي الوقت المناسب، وللسبب المناسب، وبالطريقة المناسبة، فذلك ليس بالأمر السهل". ومن غير المعقول أن يكون الغضب والعنف وسيلة لحل المشكلات. ويقول تشاك نوريس: "الرجال كالفولاذ، عندما يفقدون صلابتهم يفقدون قيمتهم". لقد أمضى هذا الرجل حياته في تتبع المشكلات وصناعتها وإدارتها، وكان دائمًا في قلبها، رغم أنه في الأغلب لا مصلحة له فيها ولا شأن مباشر بها، لكنه كان يستمتع بوجود المشكلات. ولم يكن العفو والتسامح يراودان مخيلته يومًا، بل كان يجد متعة في استمرار النزاعات. ويُعزى ذلك إلى ما تعرض له من عنف أسري وتعسف من قبل والده، إذ نشأ في بيئة يسودها العنف، مما ولّد لديه مشاعر المرارة والكراهية تجاه والديه والآخرين. وقد انعكست هذه التجربة على سلوكه الاجتماعي؛ فافتقد الاحترام المتبادل في تعامله مع الناس، وتعامل معهم بما لا يليق من أخلاق واحترام، ولم يحفظ لهم قدرهم ومكانتهم من الود. ونتيجة لذلك فقد المروءة والشهامة، وهما الصفتان اللتان تدفعان الإنسان إلى صون كرامته وكرامة الآخرين. وفي السنوات الأخيرة، أصبحت القدرة على السيطرة على الانفعالات وردود الأفعال تجاه تصرفات الآخرين من أصعب ما يمكن للإنسان تحقيقه في مجتمع تكثر فيه النزاعات والخصومات. فإدارة الانفعالات والتحكم بها تمثل جوهر الشهامة وكرم الأخلاق؛ لأن الشهم هو الذي ينبذ الانتقام ويكظم غيظه ابتغاءً لقيمة أسمى هي كرم الأخلاق ونبل السلوك. قال رسول الله ﷺ: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب». وقال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾. فالشهامة خُصلة تجمع بين النخوة والكرم والإيثار وحب مساعدة الآخرين. كما تعني عزة النفس والحرص على إنجاز الأعمال العظيمة. ويتميز صاحبها بالكرامة؛ فهو يحترم نفسه ويقدر ذاته، وتشكل هذه الصفات مجتمعة جوهر الأخلاق الرفيعة التي تمنح الإنسان مكانته وقيمته في المجتمع. فالذي يتصف بهذه الخصال لا يقبل بالأفعال الدنيئة ولا يرضى بالإهانة لنفسه. وبعد كل هذه السنين وما مررت به من تجارب، لم أجد أفضل من العفو والتسامح ومراعاة حقوق الآخرين؛ فبهذه القيم يحفظ الإنسان لنفسه مكانتها،ويصون احترامه بين أفراد المجتمع. فهذه الصفات تُعد تيجانًا تزين مكارم الأخلاق الرفيعة للفرد، وهي من أعظم صفات القوة؛ لأنها قوة الإرادة في ضبط النفس والتحكم فيها.