آخر تحديث :الإثنين-15 يونيو 2026-02:14م

ما يهم الأزمة اليمنية من تسريبات بنود مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية

الإثنين - 15 يونيو 2026 - الساعة 12:48 م

د. فياض النعمان
بقلم: د. فياض النعمان
- ارشيف الكاتب

إذا صحت التسريبات عن بنود مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية أو كانت قريبة من جوهر التفاهمات الفعلية فإن النقطة الأكثر أهمية بالنسبة للازمة اليمنية الحالية ليست الملف النووي بحد ذاته وانما إعادة تعريف العلاقة بين النفوذ الإيراني الإقليمي والأمن الأمريكي في الشرق الأوسط.


وما يلفت الانتباه أن الروايتين الإيرانية والأمريكية لا تتناقضان بالكامل ولكنها تعرضان البند نفسه من زاويتين مختلفتين.

الرواية الإيرانية تركز على عبارة (عدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام السيادة الإيرانية) الخطاب هذا موجه أساسا للداخل الإيراني ولتيار المحافظين والحرس الثوري الإيراني بهدف إظهار أن طهران انتزعت اعترافا أمريكيا بشرعية النظام وعدم السعي لإسقاطه.

أما الرواية الأمريكية فتربط احترام السيادة الإيرانية بشرط واضح وهو وقف تمويل وتسليح ودعم المليشيات المسلحة الحليفة لإيران في المنطقة بمعنى أن واشنطن لا تقدم ضمانات مجانية وانما تجعلها مشروطة بتغيير السلوك الإقليمي الإيراني.

وتكمن الجزئية الأكثر حساسية إذا كانت الصياغة الأمريكية دقيقة فإن ملف الصواريخ والوكلاء لم يختف من الاتفاق كما تقول الرواية الإيرانية وانما تم دمجه داخل مفهوم أوسع هو (وقف دعم العنف الإقليمي) وهذه صياغة ذكية تسمح للطرفين بإعلان النصر أمام جمهورهما دون الدخول في تفاصيل محرجة.

استشرافيا يمكن تصور اربعة سيناريوهات.

السيناريو الأول أن توافق إيران على تقليص الدعم المالي والعسكري للمليشيات المرتبطة بها دون حلها بالكامل وفي هذه الحالة ستتحول تلك المليشيات من أدوات هجومية عابرة للحدود إلى قوى محلية ذات أدوار سياسية وأمنية محدودة.

السيناريو الثاني أن يكون المقصود فقط وقف الهجمات ضد المصالح الأمريكية والملاحة الدولية دون المساس الكامل ببنية محور المقاومة التابع لايران وعندها سنشهد تهدئة أمنية واسعة لكن النفوذ الإيراني سيبقى قائما بأشكال مختلفة في اليمن والعراق ولبنان.

السيناريو الثالث أن تكون واشنطن تسعى فعليا لتفكيك الشبكة العسكرية الإيرانية الإقليمية تدريجيا مقابل ضمانات أمنية واقتصادية كبيرة وهذا السيناريو سيكون الأكثر صعوبة لأن الحرس الثوري يعتبر شبكة المليشيات في المنطقة خط الدفاع الأول عن إيران وليس أداة نفوذ خارجية.

السيناريو الرابع يقوم على فرضية أن أي تفاهم أمريكي إيراني لن يواجه التحدي الأكبر من طهران أو واشنطن وانما من دول المنطقة نفسها فالحكومات في اليمن والعراق ولبنان ومعها عدد من القوى الإقليمية لن تقبل باستمرار مليشيات موالية لإيران تحتفظ بنفوذ سياسي وعسكري واقتصادي واسع داخل مؤسسات الدولة أو خارجها وأي اتفاق يتجاوز معالجة ملف الأذرع سينظر إليه كإعادة إنتاج للأزمة لا كحل لها كما أن الولايات المتحدة يصعب أن تقبل بتسوية تضمن أمن إيران وسيادتها بينما تستمر مليشيات مرتبطة بها في تهديد الملاحة الدولية أو تقويض نفوذ الحلفاء والشركاء الإقليميين ولذلك فإن نجاح أي تفاهم طويل الأمد سيظل مرتبطا بمدى قدرة واشنطن وطهران على التوصل إلى ترتيبات تقلص نفوذ الأذرع وأما الإبقاء على الوضع القائم مع تغيير العناوين السياسية فقط فقد يحول الاتفاق إلى هدنة مؤقتة قابلة للانهيار عند أول اختبار إقليمي كبير.

وأذا كان بند احترام السيادة مقابل وقف دعم العنف موجود فعلا فإننا أمام تحول استراتيجي محتمل في فلسفة الصراع بين واشنطن وطهران ولأول مرة لا يكون الهدف تغيير النظام الإيراني أو احتواءه فقط وانما تحويله من قوة توسع إقليمي إلى دولة تركز على أمنها الوطني داخل حدودها ونجاح التحول سيعني إعادة رسم خريطة التوازنات في العراق ولبنان واليمن خلال السنوات القادمة وأما فشله فسيعيد المنطقة إلى ذروة التصعيد المعتادة لكن بعد فترة هدوء مؤقتة.