آخر تحديث :الثلاثاء-09 يونيو 2026-01:54ص

تحت مظلة العبث.. اعتمادات فلكية للنخب، والموت يترصد الشعب والجند

الإثنين - 08 يونيو 2026 - الساعة 11:43 م

محمد ناصر عجلان
بقلم: محمد ناصر عجلان
- ارشيف الكاتب

إن الغوص في تفاصيل المشهد المالي للسلطة يكشف عن كوارث أعمق وأشد مرارة؛ فالمسألة لم تعد تقتصر على مكافآت عابرة أو استعراض إعلامي، بل تمتد إلى منظومة فساد مقننة تُهدر فيها مقدرات البلاد بالعملات الأجنبية والمحلية على شكل "إعاشات" ومرتبات خيالية تصرف لشبكات من المنتفعين، في الداخل والخارج.

ففي الوقت الذي تصم فيه الحكومة آذانها عن صرخات الجياع، وتتحجج بشحة الإمكانيات لتأخير رواتب الجنود، تتدفق المبالغ الطائلة بالدولار والريال السعودي كـ "إعاشات شهرية" تُمنح لبعض السياسيين، والناشطين، وحتى من يُسمون "معارضين" في الخارج والداخل، لشراء الصمت أو الولاء. هذه الأموال تُهدر خارج إطار القانون وخارج أبواب الميزانية المفترضة، لتعيش بها عائلات في عواصم الإقليم والعالم رغد العيش، بينما تفتقد الأسر في عدن، وتعز، ومأرب، وسيئون، لأبسط مقومات الحياة.


بعثات الترف ورواتب النخب العاجية

وهذا البذخ غير المشروع يأتي فوق، وخلافاً، للمبالغ الهائلة التي تلتهمها ميزانيات البعثات الدبلوماسية المتضخمة في الخارج، والتي تحولت في كثير من الأحيان إلى مجرد مكافآت عائلية ومحاصصات حزبية لا تخدم المواطن اليمني في شيء.

يحدث هذا بالتزامن مع استمرار صرف المرتبات الضخمة بالعملة الصعبة لكبار مسؤولي الدولة من العسكريين والمدنيين، وجيشٍ جرار من "المستشارين" (العسكريين، والأمنيين، والاقتصاديين) الذين تعج بهم كشوفات الرئاسة والحكومة. مستشارون لا يُستشارون في شيء، ولم نبرح بسبب "مشوراتهم" مربع الانهيار الاقتصادي، ولم نلمس منهم أي خطة لإنقاذ العملة، أو كبح جماح أسعار المشتقات النفطية والمواد الغذائية!


معادلة مقلوبة: التخمة للنخبة.. والجوع للجمهور

إننا أمام مفارقة مخزية في تاريخ الإدارة والسياسة:


*نخبة سياسية وعسكرية ومستشارون:*

يعيشون في رغد وتُصرف لهم ميزانيات تشغيلية وإعاشات بالدولار، وهم بعيدون كل البعد عن المعاناة اليومية.

*شعب يمني صابر وجيش مرابط:*

يتضور جوعاً، ويواجه أزمات طاحنة، ويرى لقمة عيش أبنائه تُسلب منه لتمويل ترف القابعين في الفنادق والقصور.

كيف يمكن لوزير أو مستشار أو مسؤول عسكري رفيع أن ينظر في مرآته وهو يعلم أن الملايين تُصرف لحسابه الشخصي، بينما الجندي الذي يحمي "شرعيته" وبقاءه في منصبه يبيت طاوياً بلا عشاء؟ وكيف تسكت القيادة السياسية عن هذه الاختلالات الفاضحة وهي ترى شعبها يطحنه الغلاء وتفتك به الأزمات المتلاحقة؟

إن الاستمرار في تغذية هذه الشبكة من المصالح والامتيازات بالعملة الصعبة، مع تجاهل حقوق الجيش والمواطن، هو انتحار أخلاقي وسياسي. إن الشعب الذي يعاني الجوع اليوم لن يغفر لمن سلبوه ثرواته ليوزعوها هبات وإعاشات، وإن الصبر الذي تراهن عليه السلطة له حدود، وأولى خطوات الإنقاذ تبدأ من تجفيف مناهل العبث في الخارج، وتحويل تلك الملايين لإنقاذ بطون الجياع ودعم رواتب الأبطال في متارس الشرف.

والله من وراء القصد