آخر تحديث :الثلاثاء-02 يونيو 2026-10:52م

كيف زرع الفرس بذور الصراع الطبقي في اليمن

الثلاثاء - 02 يونيو 2026 - الساعة 09:29 م

حسن الكنزلي
بقلم: حسن الكنزلي
- ارشيف الكاتب

يخوض اليمن اليوم معركة وجود لا تقل خطورة عن مواجهات الجبهات؛ معركة خفية ضارية تخاض بالأسماء والأنساب والمشجرات، معركة بدأت منذ أكثر من اثني عشر قرنا عندما استبدل اليمنيون لقب "القيل" و"والأذواء" بلقب "السيد"، دون أن يدركوا أنهم يزرعون بذلك بذور التقسيم الطبقي الذي مزق نسيجهم الاجتماعي وأطال أمد صراعاتهم.


لم تكن الطبقات في اليمن نتاجا طبيعيًا لتطور المجتمعات بقدر ما كانت وليدة لحظة فارقة في التاريخ، تلخصت في "اتفاقية" غير مكتوبة بين آخر ملوك حمير وأمبراطور فارس. فبعد أن ضاق سيف بن ذي يزن ذرعا بالاحتلال الحبشي لليمن، اتجه إلى كسرى أنوشروان يطلب النصرة. لم يبخل كسرى بالجند، فجمع له من في السجون إلى جانب عشرين ألف جندي فارسي؛ لكن مقابل ذلك اشترط شرطا سيغير تاريخ اليمن إلى الأبد: أن يتزوج الفرس من نساء اليمن، ولا يتزوج اليمنيون من الفرس.


فقد كانت العرب تأنف تزويج بناتها من الفرس، ولو كانوا أبناء كسرى نفسه. وصل الجيش الفارسي إلى اليمن وانتصر على الأحباش المنهكين من حادثة الفيل بسهولة؛ لكن المشكلة بدأت بعد الانتصار: كيف يتزوج هؤلاء الجنود من نساء اليمن، واليمنيون يرفضون ذلك رفضا قاطعا؟


هنا تدخل عبدالمطلب بن هاشم، جد النبي محمد ﷺ، الذي زار سيف بن ذي يزن مهنئا بالنصر على الأحباش. ووفقا للروايات، اقترح عبدالمطلب حلا على عادة العرب: "أسكنهم أرضا وأنا أتبناهم نسبا". فأسكنوهم في منطقة في "بني حشيش" لا تزال تحتفظ بهويتها حتى اليوم، حيث توجد عزلة تسمى "الفرس" وأخرى تسمى "الأبناء". من يومها سُمّي المستوطنون الفرس بـ "الأبناء" بمعنى أنهم صاروا عربا بالتبني؛ لكن سرعان ما قلب الأبناء الطاولة على من تبنّاهم.


لم تمضِ فترة وجيزة حتى تآمر الفرس على سيف بن ذي يزن فقتلوه، وألقوا باللائمة على الأحباش لتبرئة أنفسهم، ثم دمّروا بيوت الأحباش بالكامل ومنعوهم من بناء البيوت أو شراء الأرض، واستمر ذلك حتى اليوم. وبعد مقتل سيف بن ذي يزن تولى الحكم قائد فارسي يُدعى "وهرز الديلمي"، الذي أصبح أول حاكم فارسي مباشر لليمن.

في الحقيقة اسم وهرز لم يكن اسما بقدر ما كان منصبا عسكريًا في الإمبراطورية الساسانية؛ لكن المؤرخين المسلمين (باستثناء حمزة الأصفهاني والمسعودي) ظنّوه اسما شخصيا.

أقدم وهرز الديلمي على خطوتين محوريتين غيّرتا هوية اليمن إلى الأبد:

الأولى: أنه عيّن الفرس قادة وولاة على نواحي اليمن، وأقصى اليمنيين عن مواقع القيادة.

الثانية: أنه غيّر اللقب الذي كان يطلق على القادة اليمنيين من قبل، من "الأذواء" و"الأقيال" إلى لقب "السيد".

فصار اليمنيون يسمون قادة الفرس "سادة"، وتلاشى مسمى "الأبناء" من المجتمع اليمني، كما تلاشى مسمى "الفرس"، وحل محله مسمى "السادة" الذي لا يزال مستخدما حتى اليوم؛ ولذلك نجد في العرف القبلي اليمني لقبين متمايزين: لقب "السادة" ولقب "العرب" أو "القبلي". وفي قرية المحاجرة في سنحان، مثلاً، لا يزال هناك ديوانان: "ديوان السادة" و"ديوان العرب".


مع دخول الإسلام، أسلم باذان الفارسي، آخر الحكام الفرس لليمن، وأقرّه النبي ﷺ على حكم اليمن. وذهب وفد من الفرس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد عودتهم إلى اليمن أذاعوا أنهم سألوه: "إلى من نحن يا رسول الله؟" فقال لهم: "أنتم منا وإلينا"، ثم قال: "سلمان منا أهل البيت". وعلى الرغم من أن هذا الخبر موجود لدى بعض المؤرخين، إلا أنه غير مثبت لدى المحدثين.

منذ تلك اللحظة، بدأ الفرس في اليمن يسمون أنفسهم "أهل البيت". ويشير بعض الباحثين إلى أن اليمنيين لقبوهم بهذا اللقب في البداية من باب السخرية فقط؛ لكن الأجيال تعاقبت وهم يسمون بهذا اللقب حتى أخذت التسمية محمل الجد لا السخرية، حتى صدق الناس ومعهم الفرس أنهم من آل البيت حقًّا.


بعد سقوط الإمبراطورية الفارسية على يد المسلمين؛ شكّل الفرس ثورة مضادة للإسلام. كان أول نشاط لهذه الثورة هو اغتيال الخليفة عمر بن الخطاب على يد "أبو لؤلؤة المجوسي"، الذي طعنه بخنجر ذي رأسين في صلاة الفجر.

لكن المسلمين أحسوا بالخطر القادم من فارس؛ فشدّدوا إجراءاتهم الأمنية هناك؛ فلم يجد الفرس موطئ قدم للتحرك فيه سوى اليمن؛ لسيطرتهم عليها تحت مظلة الإسلام، ولقربها من مركز الخلافة. وهنا اجتمع زعماء الفرس الذين ما زالوا على مجوسيتهم مع زعماء اليهود في اليمن، ووضعوا خطة محكمة لاستعادة دولتهم. وكان من بين المجتمعين "عبدالله بن سبأ اليهودي الصنعاني".


وضع ابن سبأ خطة لا يزالون يمشون عليها حتى اليوم؛ خلاصتها توزيع المهام على فرس اليمن وقادة الثورة المضادة من فارس، وتتمثل في "انتحال النسب الهاشمي" . ولتنفيذ هذه المهمة، قاموا باختراع فكرة "المشجرات" للنسب، التي لم تكن معروفة لدى العرب؛ لا قبل الإسلام ولا بعده؛ كان العرب يدونون أنسابهم في ديوانهم المعروف: "الشعر" فالشعر كما قيل "ديوان العرب".


طلب ابن سبأ من قادة الثورة المضادة العودة إلى فارس ونقل فكرة انتحال النسب، واختطاف كل هاشمي يذهب إلى فارس لتعذيبه وأخذ معلوماته الشخصية ثم قتله، وانتحال شخصيته. وكان هناك هاشمي اسمه "يحيى بن الحسين الرسي"؛ أرسله والده من الحجاز لطلب العلم في طبرستان بفارس. فاختطفوه وعذبوه حتى أخذوا كل معلوماته الشخصية، ثم قتلوه، ولقنوا تلك المعلومات أحد دهاتهم وسموه باسم يحيى بن الحسين الرسي.

وجعلوه يدرس عشرين سنة ثم أرسلوه إلى اليمن، لا إلى الحجاز، حتى لا يعرفه أب القتيل. فشدّ الأب رحاله من الحجاز إلى اليمن وسأل عن ابنه يحيى، فلما وجد منتحل شخصية ابنه؛ أنكره، فزعم المنتحل أن ملامحه تغيرت خلال العشرين سنة التي قضاها في طبرستان، وأتى بالمعلومات الشخصية للضحية التي تم تلقينه إياها. فلم يكذبه الأب ولم يصدقه، وعاد إلى مكة. اليمنيون حين رأوا ذلك الأمر شكوا فيه فطردوه، فعاد إلى فارس بعد أن استطلع أحوال اليمن، فجهّز له قادة الثورة المضادة سبعة آلاف جندي من طبرستان سموا في كتب التاريخ بـ "الطبريين" وتوجه بهم إلى صعدة واحتلها بالقوة. ومن ذلك اليوم بدأ الدم اليمني ينزف، وإلى اليوم.


بدأ ذلك الدعي الفارسي بفتوى أن الولاية لا تصلح إلا في "آل البيت"، وهي نفس الفكرة التي وضعها ابن سبأ اليهودي قبل نحو مئتي عام. هلك ذلك المستوطن المنتحل، فقام أولاده من بعده بترويج نفس الفكرة، حتى ظهرت في اليمن فرقة علمية رائدة عُرفت بـ "المطرفية" نسبة إلى "مطرف بن شهاب الحميري".

كانت المطرفية تضم نخبة المجتمع اليمني من المشايخ والتجار وأصحاب الحرف. ورغم أنهم كانوا زيدية، إلا أنهم لم يؤمنوا بفكرة حصر الإمامة في سلالة بعينها؛ بل كانوا يرون أن الإمامة لمن هو عالم ولديه القدرة، بغض النظر عن نسبه.

استمرت هذه الفرقة إلى أن جاء المستوطن الفارسي الدعي "عبدالله بن حمزة" ، الذي كان ممن يعتقدون بحصر الإمامة في أهل البيت، فقام بقتل مئة ألف رجل من المطرفية، وسبى نساءهم وذراريهم، وأطلق عليهم لقب "مزاينة" سخرية منهم ومن مهنهم. والأخطر من ذلك أنه أصدر فتوى مزقت المجتمع اليمني: "عدم جواز مناكحة المطرفيين". فكانت فتوى صادرت العقل اليمني، واحتقرت المهني، ورفعت المشعوذ والساحر الفارسي "السيد" الذي كان يجب قتله لا رفعه.

أخرجوا الناس من التقسيم الرباني "شعوبا وقبائل ليتعارفوا" إلى التقسيم الشيطاني طبقات ليتعالوا على الناس.


والخلاصة: "إذا عرفت نفسك وعدوك؛ فستنتصر، وإذا عرفت نفسك وجهلت عدوك؛ ستواجه هزيمة بعد كل نصر، وإذا جهلت نفسك وعدوك؛ فستنهزم في كل معركة". هذه ثلاث قواعد من كتاب "فن الحرب". وعلى مدى 1200 سنة ماضية، كان موقع اليمن من هذه القواعد هو القاعدة الوسطى الأكثر إيلاما: "عرفت نفسها وجهلت عدوها"؛ فكانت الهزيمة بعد كل نصر. ثورة 48، وحركة 55، وحركة العلفي واللقية والهندوانة، وثورة 26 سبتمبر – كلها انتصارات قادت إلى هزائم، حتى جاءت نكبة 21 سبتمبر لتكون أبلغ شاهد على هذه القاعدة.

فالشعب والجيش اليمني يجهل أن هناك فرسا استوطنوا اليمن وتنكروا في العباءة الهاشمية. ولن يستقيم حال اليمن حتى يعرف اليمنيون أن فيهم "فرسا" و"عربا"، وهذا التعارف إنما هو للتآلف والتعايش، لا للاقتتال والطبقية والتعالي. فلا يجوز تكرار التجارب السابقة، ولا بالعصبية المضادة لآل البيت؛ بل بنقل المعركة من "بيت النبي" إلى "البيت الفارسي": بأن نطلق على أولئك القوم اسمهم الحقيقي: "الفرس"، لا "آل البيت.

فمعركتنا الطويلة الحقيقية هي " معركة الأسماء"؛ معركة بين العرب والفرس الطبريين، وليست معركة مع الهاشميين؛ فيجب أن نعي ذلك وعيا كاملا، فيكونوا إما يمنيين مثلنا – بحكم بقائهم الطويل في اليمن، لهم ما لنا وعليهم ما علينا – وإما فرقة منبوذة بحكم أصلهم ومكرهم وأذاهم وحربهم لأهل الأرض التي احتضنتهم.

فالهاشمية هي السلاح الذي يحاربونا به الفرس منذ 1200 سنة. ونحن – اليمنيين – من يمدهم بهذا السلاح بألسنتنا وأقلامنا وإعلامنا.