آخر تحديث :الثلاثاء-21 يوليو 2026-12:50ص

حين تتصافح القلوب

الإثنين - 20 يوليو 2026 - الساعة 06:57 م

حسن الكنزلي
بقلم: حسن الكنزلي
- ارشيف الكاتب

ليست الحروب وحدها هي التي تهدم الأوطان؛ بل إن ما تتركه في النفوس من شروخ قد يكون أشد قسوة من الدمار الذي تخلّفه في الحجر. فالبيوت يمكن أن تُعاد بناؤها، والطرقات يمكن أن تُرمَّم، أما الثقة إذا انهارت بين أبناء المجتمع؛ فإن إعادة تشييدها تحتاج إلى سنوات من الصبر، وكثير من الحكمة، وقلوب صادقة تؤمن بأن الأوطان لا تُبنى إلا بأهلها جميعا.


ومن هنا كان التوافق نعمة عظيمة يمنّ الله بها على المجتمعات؛ لأنه ليس مجرد اتفاق عابر، ولا شعارا سياسيا يُرفع في المناسبات، وإنما هو ثقافة حياة، وأخلاق راسخة، ومنهج يقوم على تغليب المصلحة العامة، وإدارة الاختلاف بالحكمة، والتعاون على الخير. وقد لخّص القرآن هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.


ولا يعني التوافق أن يتنازل الإنسان عن مبادئه أو يساوم على ثوابته؛ وإنما يعني أن نجعل مساحة الاتفاق أوسع من مساحة الخلاف، وأن نبحث عما يجمعنا قبل أن نفتش عما يفرقنا، وأن ندرك أن مصلحة المجتمع أكبر من المصالح الشخصية والولاءات الضيقة.


لقد امتنّ الله على المؤمنين بنعمة اجتماع القلوب فقال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾. فالأخوة ليست شعارا يُردد؛ بل مشروع حياة تُصان فيه القلوب قبل الحدود، وتُحفظ فيه العلاقات؛ قبل المصالح.


ولذلك جعل الإسلام وحدة الصف من أعظم مقاصده؛ لأن الأمم لا تضعف بسبب قلة الإمكانات بقدر ما تضعف حين تتنازع. يقول تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، في تصوير بليغ يربط بين النزاع وضياع القوة والهيبة.


ولم يكتف الإسلام بالدعوة إلى الوحدة؛ بل رسم صورتها العملية؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، وقال أيضًا: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». إنها دعوة إلى مجتمع يشعر أفراده بآلام بعضهم؛ قبل أفراحهم، ويعتبر نجاح الفرد نجاحا للجميع.


أما التعصب الحزبي أو القبلي أو المناطقي؛ فهو من أخطر ما يهدد تماسك المجتمعات؛ لأنه يحوّل الانتماءات الطبيعية إلى أسوار تفصل بين الناس، وتغذي الأحقاد، وتزرع الشكوك؛ ولذلك رفض صلى الله عليه وسلم كل دعوة تقوم على العصبية، وقال: «دعوها فإنها منتنة».


وليس خافيا أن الحروب لا تقتل البشر وحدهم؛ بل تقتل الأحلام، وتعطل التنمية، وتغلق أبواب الرزق، وتزرع الخوف في النفوس. وحين تستمر الخصومات، لا يبقى أثرها في الجيل الحاضر فحسب؛ بل تمتد إلى الأبناء والأحفاد؛ فتتشقق العلاقات الاجتماعية، ويصبح الجار يخشى جاره، والأخ يرتاب من أخيه؛ ولهذا جاء التحذير الإلهي واضحا: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾؛ لأن الإفساد لا يكون بهدم المباني وحدها؛ بل يبدأ حين تُهدم جسور الثقة بين الناس.


ومن أخطر نتائج الانقسام أنه يفتح الأبواب أمام الطامعين والمتربصين؛ بينما يكون المجتمع المتماسك أكثر قدرة على حماية نفسه وصناعة مستقبله؛ ولهذا فإن أعظم ميراث يمكن أن نتركه لأبنائنا ليس المال ولا العقار؛ وإنما مجتمع آمن، متماسك، تسوده الثقة، ويمنح أبناءه فرصة للحياة الكريمة.


ومن هنا جاءت منزلة الإصلاح بين الناس في الإسلام، حتى جعله القرآن من أفضل الأعمال بقوله تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾؛ بل وصف صلى الله عليه وسلم إصلاح ذات البين بأنه أفضل من كثير من العبادات، فقال: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟... إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة».


وكم من كلمة طيبة أطفأت نار فتنة! وكم من مجلس حوار حال دون سفك دم! وكم من رجل حكيم جمع بين متخاصمين؛ فكان أثره أعظم من آلاف الخطب والشعارات! فالحوار الهادئ، والاستماع الصادق، والعفو، وسعة الصدر، ليست مظاهر ضعف؛ وإنما أدوات تبني الأمم وتحفظ استقرارها.


كما أن الشورى ليست ترفا سياسيا؛ بل قيمة حضارية أصيلة؛ فقد أثنى الله على المؤمنين بقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم ــ وهو المؤيد بالوحي ــ بقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾. فإذا كان صلى الله عليه وسلم مأمورا بالمشاورة؛ فمن باب أولى أن تكون الشورى منهجا لكل مجتمع يريد أن يصنع قراراته بعقول أبنائه جميعا؛ لا برأي فرد واحد.


ولا يعني اختلاف الآراء فساد القلوب؛ فالاختلاف سنة من سنن الحياة، وإنما المشكلة في طريقة التعامل معه. فالاختلاف إذا صاحبه العدل والإنصاف واحترام الآخر؛ أصبح مصدرا للإثراء والتكامل، أما إذا صاحبه الهوى وسوء الظن؛ تحول إلى خصومة وعداوة. ولذلك قال تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.


وقد جسد الصحابة هذا المعنى أروع تجسيد، فاختلفوا في مسائل اجتهادية كثيرة؛ لكنهم لم يسمحوا للخلاف أن يهدم أخوتهم، وظلوا يدركون أن رابطة الإيمان أكبر من كل اجتهاد. ومن أبلغ ما قيل في هذا الباب كلمة الإمام الشافعي: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب". وهي قاعدة لو سادت لخفّت حدة كثير من النزاعات.


ولعل من أروع النماذج العملية للتوافق ما صنعه صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة إلى المدينة؛ إذ بدأ ببناء الإنسان؛ قبل العمران، وآخى بين المهاجرين والأنصار، ثم وضع أسس التعايش والعدل، وأثبت في صلح الحديبية أن الحكمة قد تقبل تنازلا مرحليا من أجل مصلحة أعظم ومستقبل أفضل، حتى سماه القرآن فتحا مبينا.


واليوم لا تحتاج مجتمعاتنا إلى مزيد من الأصوات المرتفعة، بقدر حاجتها إلى مزيد من القلوب الهادئة، ولا إلى كثرة المتحدثين؛ بل إلى حسن الاستماع، ولا إلى انتصار الأشخاص؛ وإنما إلى انتصار القيم.


ولكل فرد دوره في صناعة هذا المستقبل؛ فالعالم والداعية مسؤولان عن جمع الكلمة، والوجيه والمصلح مسؤول عن رأب الصدع، والشاب مدعو إلى أن يكون صانعا للحياة؛ لا وقودا للخصومات، والمرأة شريكة في غرس قيم المحبة والتسامح في الأجيال، والإعلامي يحمل أمانة الكلمة التي قد تبني مجتمعا أو تشعل فتنة، والمؤسسات الاجتماعية والقبلية شريك أصيل في حماية السلم الأهلي وتعزيز التماسك المجتمعي.


كما أن الأمانة والنزاهة ليستا مجرد شعارات إدارية؛ بل أساس الثقة بين الناس. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾، وحذر صلى الله عليه وسلم من تضييعها بقوله: «إذا ضُيِّعَتِ الأمانةُ فانتظرِ الساعةَ»؛ فكل استغلال للمنصب، أو تعطيل للحقوق، أو تقديم للمحاباة على الكفاءة؛ إنما يهدم أسس المجتمع من داخله.


والأمن بدوره ليس مسؤولية الأجهزة وحدها؛ بل مسؤولية تبدأ من ضمير الإنسان، وتمتد إلى الأسرة، والمدرسة، والمسجد، والإعلام، وكل موقع من مواقع التأثير؛ فلا تنمية مع الخوف، ولا استثمار مع الفوضى، ولا تعليم مع استمرار النزاعات. وقد ذكّر الله عباده بهذه النعمة بقوله: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾.


ثم إن الإنسان خُلق ليعمر الأرض لا ليهدمها؛ ولذلك قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾؛ فكل مشروع نافع، وكل مبادرة صادقة، وكل عمل تطوعي، وكل غرس أو بناء أو إصلاح، هو لبنة في نهضة الوطن، وخطوة في طريق المستقبل.


ويبقى الخطر الأكبر حين تتسلل إلى المجتمعات أمراض التعصب، والإشاعات، وخطاب الكراهية، والمصالح الضيقة، وفقدان الثقة. وهذه لا تعالج إلا بالإيمان، والعدل، والشفافية، والحوار، والصبر، حتى تستعيد القلوب صفاءها، ويستعيد المجتمع عافيته.


إن بناء الأوطان لا يبدأ بالإسمنت والحديد؛ بل يبدأ ببناء الإنسان؛ ببناء ضميره، وأخلاقه، وإحساسه بالمسؤولية. فحين تنتصر القلوب على الأحقاد، والعقول على الانفعالات، والحكمة على العصبية؛ يصبح التوافق قوة لا ضعفا، ووحدة الصف مصدرا للعزة، والأمن بوابة للتنمية، والتعاون طريقا إلى النهضة.


وحين تتصافح القلوب قبل الأيدي، وتلتقي الإرادات على الخير، يصبح المستقبل أكثر إشراقا، وتغدو الأوطان قادرة على تضميد جراحها، واستعادة مكانتها، وصناعة غد يليق بأبنائها.


نسأل الله أن يجمع الكلمة على الحق، وبوحِّد الصفوف على البر والتقوى، ويلهم الجميع رشدهم، ويصلح الراعي والرعية، ويوفق الجميع لما فيه صلاح الدين والدنيا.

ودمتم سالمين!