هناك لحظات في الحياة تعجز فيها الكلمات عن التعبير، وتتوقف الحروف أمام هول المصاب، وتبقى الدموع وحدها قادرة على ترجمة ما يعتصر القلوب من ألم وحزن. ومن أشد تلك اللحظات قسوةً وأعمقها أثرًا لحظة فقدان الأب، السند، والقدوة، والرجل الذي كان حضوره يمنح الطمأنينة والأمان والقوة.
برحيل الوالد والقائد الرئيس عبدربه منصور هادي رحمه الله، فقدنا قامة وطنية كبيرة ورجلًا ترك بصمته في تاريخ وطنه وفي قلوب كل من عرفه. رحل الجسد، لكن المواقف العظيمة لا ترحل، ورحلت العين التي كانت تسهر على أبنائها ومحبيها، لكن ذكراه ستظل حية في النفوس ما بقيت الحياة.
إنني اليوم أعزي نفسي أولًا بهذا المصاب الجلل، وأعزي أخي جلال عبدربه منصور هادي، وأخي ناصر عبدربه منصور هادي، وأخي ياسر عبدربه منصور هادي، في هذا الفقد العظيم الذي هز القلوب وأبكى العيون. فما أصعب أن نفقد أبًا كان مصدر الحكمة والحنان والقوة، وما أقسى أن نودع رجلًا كان مدرسة في الصبر والثبات وتحمل المسؤولية.
لقد كان الوالد رحمه الله مثالًا للرجل الذي وهب حياته لخدمة وطنه وشعبه، وتحمل الكثير من أجل الحفاظ على وحدة الصف واستقرار البلاد. وكان في حياته أبًا حنونًا وقائدًا صبورًا ورمزًا للعطاء والتضحية والإخلاص، لذلك فإن رحيله لا يمثل خسارة لعائلته فحسب، بل خسارة لكل من عرف قيمته ومكانته.
أيها الإخوة الأعزاء جلال وناصر وياسر، إن الكلمات مهما بلغت من البلاغة تبقى عاجزة عن مواساة القلوب في مثل هذه المواقف، لكن عزاءنا أن الوالد ترك إرثًا عظيمًا من الأخلاق والقيم والمبادئ، وترك خلفه أبناءً يحملون اسمه ومسيرته وسيرته الطيبة. وأنتم اليوم القدوة لنا بعد الوالد رحمه الله عليه، وأنتم الامتداد الطبيعي لأخلاقه ومواقفه النبيلة، وننظر إليكم بكل فخر واحترام، ونستمد منكم القوة والثبات في هذا الظرف الأليم.
كما نتقدم بخالص الاعتذار إلى أسرة الفقيد الكريمة وإلى جميع المحبين والأصدقاء لعدم تمكننا من الحضور والمشاركة في مراسم التشييع والدفن، وذلك لظروف تواجدنا داخل البلاد وتعذر السفر في هذه الظروف. وقد زادنا هذا الأمر ألمًا فوق ألمنا، وحزنًا فوق حزننا، إذ كنا نتمنى أن نكون بين المشيعين لنلقي النظرة الأخيرة على الوالد والقائد الراحل، وأن نشارك في وداعه كما يليق بمقامه الكبير ومكانته العظيمة في قلوب الجميع.
وإيمانًا منا بحق الفقيد علينا، ووفاءً لذكراه العطرة، فقد أقمنا صلاة الغائب على روحه الطاهرة في عموم البلاد، ورفعنا أكف الضراعة إلى الله سبحانه وتعالى أن يتغمده بواسع رحمته ومغفرته، وأن يجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأن يسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وقد شارك في هذه الصلاة محبوه وأصدقاؤه وأبناء وطنه الذين شعروا بأنهم فقدوا أبًا وقائدًا ورمزًا وطنيًا كبيرًا، سيظل حضوره راسخًا في الوجدان رغم الغياب.
ورغم أن الظروف والمسافات حالت بيننا وبين المشاركة في مراسم التشييع، إلا أن قلوبنا كانت هناك، وأرواحنا كانت ترافقه بالدعاء والمحبة والوفاء، ودموعنا كانت شاهدة على عمق الحزن الذي خلفه هذا الرحيل المؤلم. فالفقد كبير، والجرح عميق، لكن عزاءنا أن الرجال العظماء لا يموتون في ذاكرة أوطانهم، وأن أصحاب المواقف الخالدة يبقون أحياء في قلوب الناس جيلاً بعد جيل.
رحم الله الرئيس عبدربه منصور هادي رحمة واسعة، وغفر له وأسكنه فسيح جناته، وجزاه خير الجزاء على ما قدمه لوطنه وشعبه. وستبقى ذكراه العطرة وسيرته الطيبة ومواقفه الوطنية مصدر فخر واعتزاز لكل من عرفه وأحبه.