آخر تحديث :الجمعة-29 مايو 2026-09:03م

اليمن تودّع ابنها البار.. صلاة الغائب على الرئيس هادي تستحضر رمز التوافق الوطني

الجمعة - 29 مايو 2026 - الساعة 08:09 م

عوض آدم
بقلم: عوض آدم
- ارشيف الكاتب

ارتفعت أصوات الدعاء اليوم بعد صلاة الجمعة من مآذن المحافظات المحررة، حيث أدّى المصلون صلاة الغائب على روح الرئيس الأسبق المشير عبدربه منصور هادي، في مشهد وفاء شعبي لرجل ارتبط اسمه بمرحلة مفصلية من تاريخ اليمن الحديث.


وفي محافظة أبين، مسقط رأس الفقيد، كنا حاضرين لنُشهد هذا الموقف الجليل في مسجد السلام بمدينة جعار، مديرية خنفر. وأُقيمت صلاة الغائب في المحافظة بتوجيهات من الأخ الدكتور مختار الرباش، محافظة أبين، تأكيداً على مكانة الفقيد وتقديراً لدوره الوطني.

اكتظت ساحات المسجد بالمشايخ والأعيان والمواطنين، وتقدم الصفوف الشيخ فهد أبو العز، مدير مكتب الأوقاف والإرشاد بالمديرية، إلى جانب جموع المصلين، ليبتهلوا إلى الله أن يتغمده بواسع رحمته، ويجزيه خيراً عما قدّم للوطن في أحلك الظروف.


مسيرة رجل دولة من الميدان إلى الرئاسة


لم يصل عبدربه منصور هادي إلى سدة الحكم مصادفة. بدأ حياته ضابطاً عسكرياً محنكاً عُرف بالانضباط والهدوء، وتدرّج في المناصب حتى تولى وزارة الدفاع، ثم كان نائباً للرئيس، ورئيساً في مرحلة انتقالية استثنائية فرضتها تحولات 2011 وما تلاها.


وتميّز أسلوبه بالصبر وضبط النفس، وتغليب لغة الحوار على المواجهة، حتى عندما وقفت البلاد على حافة الانهيار.


موقف تاريخي ضد تحالف الخراب


حين اختار الرئيس السابق علي عبدالله صالح التحالف مع جماعة الحوثي وإدخال العصابات الإيرانية إلى صنعاء، كان هادي من أوائل من اعتبروا ذلك خيانة للشرعية الدستورية وانقلاباً على التوافق الوطني. رفض التحالف المشؤوم، وتمسّك بمؤسسات الدولة، ودفع ثمن موقفه تشريداً ونفياً، لكنه لم يتخلَّ عن ثوابت الجمهورية والوحدة التي آمن بها.


ولم يكن ذلك مجرد خصومة سياسية، بل انحيازاً واضحاً لمشروع الدولة ضد مشروع المليشيا، وحفاظاً على ما تبقى من النسيج الاجتماعي الذي مزقته النزاعات التي غذتها أجندات خارجية.


كبير الفصائل وأبٌ للجميع


في زمن الاستقطاب الحاد، حاول الرئيس هادي أن يكون مظلة جامعة للجميع. تعامل مع مختلف المكونات بمنطق الدولة لا بمنطق الانتقام، ورفض الانجرار إلى معارك جانبية تزيد من أوجاع الناس.

وكان يؤمن أن مخرج اليمن لا يتحقق إلا بتوافق وطني جامع يضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.


ومن هنا جاءت مكانته كرجل توافق، لم يخسر احترام خصومه بقدر ما كسب تقدير من خالفوه، لأنه لم يكن يبحث عن خصومة بل عن مخرج للوطن.


رحيل يترك فراغاً لا يُسد


رحيل المشير عبدربه منصور هادي خسارة وطنية في مرحلة ما تزال أحوج ما تكون إلى صوت العقل والاتزان.

رحل رجل حاول أن يمنع انزلاق البلاد إلى المجهول، ودفع من صحته واستقراره الشخصي ثمناً لذلك الموقف.


وبينما ارتفعت التكبيرات اليوم من مساجد عدن وتعز وشبوة ومأرب وحضرموت والمهرة إلى مسجد السلام في جعار، بدا المشهد رسالة واحدة: اليمنيون لم ينسوا من وقف معهم في زمن الانهيار، ولم ينسوا ابن أبين الذي ظل متمسكاً بثوابت وطنه حتى الرمق الأخير.


رحم الله الرئيس عبدربه منصور هادي، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أهله وذويه واليمنيين جميعاً الصبر والسلوان. إنا لله وإنا إليه راجعون.