آخر تحديث :الثلاثاء-21 يوليو 2026-06:24م

الخطيب الذي يحتاج إلى عقلية الباحث

الثلاثاء - 21 يوليو 2026 - الساعة 01:43 م

حسن الكنزلي
بقلم: حسن الكنزلي
- ارشيف الكاتب

لماذا أصبحت منهجية البحث العلمي مهارة ضرورية لصناعة خطبة جمعة تفهم الواقع وتصنع الوعي؟


في كل جمعة تتكرر صورة مألوفة: خطيب يقف على المنبر، ومصلون يستمعون، ثم ينتهي اللقاء ويعود كل إنسان إلى حياته؛ لكن السؤال الأهم ليس: هل كانت الخطبة مؤثرة؟ بل: هل أضافت إلى الناس فهما جديدا لما يعيشونه؟ وهل ساعدتهم على رؤية مشكلاتهم من جذورها لا من مظاهرها؟


هذه الأسئلة تكشف جانبا مهما من تحديات الخطاب الديني اليوم؛ فالمشكلة لم تعد في قلة الموضوعات التي يمكن الحديث عنها؛ بل في كثرتها وتعقيدها. فالخطيب المعاصر لا يتعامل مع مجتمع بسيط الأسئلة، وإنما مع واقع تتداخل فيه العوامل الفكرية والنفسية والاجتماعية والإعلامية والسياسية. ولذلك؛ فإن كثيرا من القضايا التي تصل إلى المنبر ليست مجرد أخطاء فردية؛ بل ظواهر لها أسباب عميقة وسياقات متعددة.


من هنا تظهر الحاجة إلى إعادة النظر في طريقة إعداد خطبة الجمعة. ليس المقصود تحويل الخطبة إلى بحث أكاديمي، ولا نقل لغة الجامعات إلى المنابر؛ وإنما المقصود أن يمتلك الخطيب عقلية الباحث؛ تلك العقلية التي تبحث عن جذور المشكلة، وتفهم أسبابها، وتربط بين الظواهر، قبل أن تقدم الحكم أو العلاج.


فالخطيب الناجح لا يكتفي بأن يسأل: ماذا سأقول للناس؟ بل يسأل قبل ذلك: ماذا يحتاج الناس أن يسمعوا؟ وما المشكلة الحقيقية التي يعيشونها؟ ولماذا ظهرت؟ وما الطريق العملي لمعالجتها؟


وهنا تأتي أهمية أن يمتلك الخطيب خلفية ولو بسيطة في منهجية البحث العلمي. فهذه المهارة ليست ترفا أكاديميا، وليست خاصة بالباحثين في الجامعات؛ وإنما هي أداة تساعد الداعية على أداء رسالته بصورة أعمق.


إن معرفة أساسيات البحث العلمي تعلم الخطيب كيف يحدد المشكلة، وكيف يجمع المعلومات حولها، وكيف يميز بين الأسباب والنتائج، وكيف يفرق بين الظاهرة العابرة والمشكلة المتجذرة. وهذه كلها مهارات يحتاجها المنبر؛ لأن الخطبة المؤثرة لا تبدأ من النص الذي يريد الخطيب قوله؛ بل من السؤال الذي يحتاج المجتمع إلى الإجابة عنه.


فالخطيب الذي يتحدث عن ضعف القراءة مثلا؛ يمكنه أن يكتفي ببيان فضل العلم والقراءة، وهذا حق لا شك فيه؛ لكنه إذا امتلك عقلية الباحث فسيسأل: لماذا تراجع الاهتمام بالقراءة؟ هل السبب ضعف الهمة فقط؟ أم أن هناك تغيرات في نمط الحياة، وتأثيرا لوسائل التواصل، وثقافة المحتوى السريع، ومشكلات في التربية والتعليم؟


عندما يصل الخطيب إلى هذه المرحلة من الفهم، تصبح خطبته أكثر قدرة على لمس الواقع؛ لأنها لا تكتفي بوصف المشكلة، بل تكشف بنيتها وأسبابها، وتقدم علاجا أقرب إلى التطبيق.


وهذا ينطبق على كثير من القضايا التي تشغل الناس اليوم. فضعف العلاقات الأسرية، وانتشار الفردية، والتراجع في المسؤولية الاجتماعية، واضطراب الهوية، والتأثر بالشبهات الفكرية؛ كلها قضايا لا تعالج بمجرد التذكير بالمبادئ العامة؛ بل تحتاج إلى فهم البيئة التي أنتجتها.


إن أحد أسباب ضعف تأثير بعض الخطب أنها تتعامل مع الظواهر من نهاياتها؛ لا من بداياتها. فهي تدين السلوك الخاطئ؛ لكنها لا تسأل: كيف نشأ هذا السلوك؟ وما الأفكار أو الظروف التي ساعدت على انتشاره؟ ولهذا قد يسمع الناس الموعظة، ثم يعودون إلى البيئة نفسها التي أنتجت المشكلة دون تغيير حقيقي.


وهنا يظهر الفرق بين الخطيب الذي يجمع المعلومات، والخطيب الذي يبني الوعي. فالأول يقدم إجابات جاهزة، أما الثاني فيساعد الناس على فهم الواقع الذي يعيشونه.


والقرآن الكريم يقدم نموذجا رفيعا في التعامل مع قضايا الإنسان والمجتمع؛ فهو لا يكتفي بذكر الأحكام؛ بل يكشف السنن والقوانين التي تحكم حياة الأمم. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، وهذه الآية ليست مجرد دعوة إلى الإصلاح الفردي؛ بل تحمل رؤية عميقة في فهم التغيير الاجتماعي؛ إذ تربط بين الواقع الداخلي للأمم ومصيرها الخارجي.

وهذا النوع من الفهم هو ما يحتاج إليه الخطيب: أن ينتقل من مجرد الحديث عن النتائج إلى فهم السنن والأسباب.


إن تعلم الخطيب مبادئ البحث العلمي لا يعني أن يصبح متخصصا في الإحصاء أو الدراسات الأكاديمية؛ وإنما يعني أن يمتلك مجموعة من المهارات الأساسية، مثل: القدرة على صياغة السؤال الصحيح، والبحث عن المعلومات الموثوقة، وقراءة الواقع، وتحليل الظواهر، وترتيب الأولويات، وبناء الأفكار بطريقة مترابطة.


وهذه المهارات تجعل إعداد الخطبة أكثر نضجا؛ فالخطيب قبل أن يصعد المنبر لا يبحث فقط عن آية أو حديث مناسب؛ بل يبحث عن القضية التي يحتاجها الناس، وعن أفضل طريقة لعرضها، وعن الحلول التي يمكن أن تحول المعرفة إلى عمل.


وفي عصر أصبحت فيه وسائل الإعلام ومنصات التواصل شريكا قويا في تشكيل العقول؛ لم يعد يكفي أن تكون الخطبة صحيحة في مضمونها؛ بل يجب أن تكون قادرة على مخاطبة الأسئلة الجديدة. فالناس اليوم يتعرضون يوميا لكم هائل من الأفكار والمعلومات، وبعضها يؤثر في تصوراتهم وقيمهم دون أن يشعروا. ولذلك يحتاج المنبر إلى أن يكون قادرا على تفسير هذه التحولات، لا أن يكتفي بالتعليق عليها بعد وقوعها.


ومن هنا؛ فإن تطوير الخطيب لا ينبغي أن يقتصر على مهارات الصوت والإلقاء وحفظ النصوص -رغم أهميتها- بل يجب أن يشمل بناء عقلية متكاملة تجمع بين العلم الشرعي، وفهم الواقع، ومهارات البحث والتحليل.


فالعالم الذي لا يفهم واقع الناس؛ قد يقدم علاجا بعيدا عن حاجاتهم، والخطيب الذي لا يملك أدوات تحليل الواقع قد يكرر الحديث عن الأعراض ويترك الأسباب. أما الخطيب الذي يجمع بين فقه النص وفقه الواقع؛ فإنه يستطيع أن يجعل المنبر مساحة لصناعة الوعي والإصلاح.


إن مستقبل الخطاب الديني لن يكون للأكثر صوتا، ولا للأكثر حفظا فقط؛ بل للأقدر على الجمع بين أصالة الرسالة وعمق الفهم؛ فالناس لا يحتاجون فقط إلى من يقول لهم ماذا يفعلون؛ بل يحتاجون إلى من يساعدهم على فهم لماذا يعيشون ما يعيشون، وكيف يمكنهم الانتقال من الواقع إلى الإصلاح.


ولهذا؛ فإن إدخال أساسيات منهجية البحث العلمي في إعداد الخطباء ليس خروجا عن طبيعة المنبر؛ بل هو عودة إلى جوهر وظيفته؛ لأن المنبر في حقيقته ليس مكانا لإلقاء الكلمات فقط؛ وإنما مساحة لبناء الإنسان، وتصحيح الرؤية، وقيادة المجتمع نحو الخير.

فالخطيب الذي يفكر بعقلية الباحث لا يفقد روح الدعوة؛ بل يزداد قدرة على حملها؛ لأنه لا يخاطب الناس من فوق واقعهم؛ وإنما يدخل إلى واقعهم، يفهمه، ثم يقدم لهم نور الوحي الذي يهديهم إلى الطريق.

نسأل الله ان يوفقنا لما يحب ويرضى ويلهمنا رشدنا ويسدد خطانا.

ودمتم سالمين!