آخر تحديث :الثلاثاء-19 مايو 2026-01:47م

بين الإعلام والوعي الجمعي: كيف تُصاغ الحقيقة الصحية في زمن “الطيّبات”؟

الثلاثاء - 19 مايو 2026 - الساعة 12:10 م

د. سعيد الحرباجي
بقلم: د. سعيد الحرباجي
- ارشيف الكاتب

لستُ طبيبًا حتى أتحدث عن موضوع التغذية وأهميتها لصحة الجسم، ولن أخوض غمار ميدانٍ لا علاقة لي به...

ولكنني حاولتُ في هذه المناولة أن أُلخّص أهم ما كُتب من موضوعاتٍ عن نقد أفكار د. العوضي، التي انتشرت بصورةٍ ملفتة هذه الأيام، ومدى تأثير الإعلام على الوعي الجمعي للشعوب.

إذ لم يعد الإعلام المعاصر اليوم مجرد وسيطٍ لنقل المعرفة، بل تحوّل — في كثيرٍ من تجلياته — إلى فاعلٍ مركزي في إنتاج الوعي ذاته، يعيد ترتيب المفاهيم، ويعيد تعريف “الصواب” و”الخطأ”، لا بما تقوله المختبرات، بل بما يستقر في الذاكرة الجمعية عبر التكرار والتأثير والانفعال.

وفي هذا السياق، لا يمكن قراءة انتشار أطروحات مثل تلك التي يقدّمها د. (ضياء العوضي) في برنامجه “الطيّبات” بوصفه انتشارًا معرفيًا عابرًا، بل بوصفه نموذجًا دالًّا على تحوّل الحقيقة من فضاء الدليل العلمي إلى فضاء التأثير الإعلامي.

(حين تنتقل الفكرة من المختبر إلى الشاشة)

تقوم الفكرة العلمية في أصلها على التراكم، والتمحيص، والتجربة القابلة للنقض.

غير أنّها حين تدخل فضاء الإعلام الرقمي، تُعاد صياغتها وفق منطقٍ مختلف تمامًا؛ منطق السرعة، والجاذبية، والقدرة على الإقناع اللحظي.

وهنا لا يعود السؤال: ما الدليل؟

بل يصبح: ما الذي يبدو أكثر إقناعًا؟

وهذا التحوّل الدقيق هو ما يجعل بعض الخطابات الصحية — مهما كانت حسناتُها الجزئية — قادرةً على تجاوز المؤسسات العلمية، والوصول مباشرةً إلى الوعي العام بوصفها “حقائق مكتملة”.

(صناعة اليقين في زمن الشك)

يميل العقل الجمعي بطبيعته إلى البحث عن اليقين، خاصةً في القضايا التي تمس الجسد، والصحة، والمصير اليومي...

وعندما يقدّم الإعلام خطابًا بسيطًا، حاسمًا، ومشحونًا بالثقة، فإنه لا يقدّم معرفةً فحسب، بل يقدّم (راحةً نفسيةً) معرفية تُغري المتلقي بالتصديق قبل الفحص.

(من الخبير إلى المرجعية الرمزية)

في الإعلام المعاصر، لا تُبنى السلطة المعرفية على الدليل وحده، بل على التمثيل الرمزي للخبرة: (اللقب، النبرة، الحضور البصري، وتكرار الظهور)...

ومع الوقت، يتحوّل المتلقي من مناقشة الفكرة إلى التسليم بالشخص، وتنتقل الثقة من “ما يُقال” إلى “من يقول”.

وهكذا يتشكّل نوعٌ من المرجعية الإعلامية البديلة، التي قد تزاحم المرجعيات العلمية التقليدية...

لا لأنها أكثر دقة، بل لأنها أكثر حضورًا وتأثيرًا.

وهنا يتكوّن ما يمكن تسميته بـ(العدوى المعرفية)، حيث لا ينتقل الاقتناع عبر البرهان، بل عبر الإيحاء الجمعي، والانتماء إلى موجةٍ فكرية تبدو ناجحة ومطمئنة.

(من النصيحة إلى الهوية)

الأخطر في بعض الخطابات الصحية أنها لا تقف عند حدود الإرشاد، بل تتحول تدريجيًا إلى هويةٍ فكرية وسلوكية ...... وكأن لسان حالها يقول : نحن الذين فهمنا الغذاء الصحيح ، نحن الذين عدنا إلى الفطرة ، نحن الذين تحررنا من الطب الصناعي

وبهذا المعنى لا يعود النقاش متعلقًا بالغذاء وحده، بل يصبح جزءًا من تصورٍ أوسع للذات والعالم والآخر.

ومن يعترض على الفكرة، لا يُنظر إليه بوصفه مخالفًا علميًا، بل بوصفه خارجًا عن “الوعي الصحيح”.

ومن هنا تأتي هذه القراءة النقدية من قِبل مختصي التغذية لما يطرحه د. العوضي...

لا للطعن في النوايا، ولا للتشكيك في كل ما يُطرح، بل لتفكيك الخطاب، وتمييز ما يستند إلى الدليل عمّا يقوم على التعميم أو المبالغة أو الانتقائية.

فأبرز ما يلفت في خطاب العوضي بحسب منتقديه، هو انتقاله من التوصية الغذائية إلى ما يشبه المنظومة العقائدية؛ إذ لا يُقدَّم الطعام بوصفه عنصرًا ضمن شبكةٍ معقدة من العوامل الصحية، بل بوصفه المفتاح شبه الوحيد للشفاء والوقاية.

وهنا تبدأ الإشكالية...

فالعلم الحديث لا ينكر أثر الغذاء، بل يجعله ركنًا أساسيًا في الصحة العامة، لكنه في الوقت نفسه يرفض اختزال الإنسان في معدته، أو اختزال المرض في طبق الطعام.

ذلك أن صحة الإنسان نتاجُ منظومةٍ متشابكة تشمل:الوراثة، النشاط البدني، النوم، التوتر النفسي، البيئة الاجتماعية، الرعاية الطبية، والغذاء بوصفه عنصرًا مهمًا لا العنصر الأوحد.

أما تحويل الغذاء إلى مفتاحٍ سحري للصحة... فهو أقرب إلى الخطاب الوعظي منه إلى المنهج العلمي.

ومن أخطر ما يُؤخذ على أطروحات العوضي ميلُها إلى التعميم المفرط.

فحين يُقال للناس:(اتركوا الخبز، ابتعدوا عن الألبان، امتنعوا عن الزيوت النباتية، هذا الطعام يسبب الالتهاب... إلخ)

فإن هذه الأحكام تُطرح غالبًا بصيغةٍ قطعية، وكأنها حقائق كونية ثابتة...

بينما الحقيقة العلمية تقول:

ليس كل جسدٍ يستجيب للعلاج بالطريقة نفسها.

فالإنسان ليس نسخةً مكررة...

فما يناسب شابًا رياضيًا قد لا يناسب امرأةً حاملًا، وما يفيد مريض السكري قد يضرّ مريض الكلى، وما يُحسّن هضم شخصٍ قد يفاقم نقصًا غذائيًا عند آخر.

(بين التأثير والالتباس)

لا يمكن إنكار أن بعض ما يُطرح في هذا السياق يتقاطع مع توصياتٍ علمية معروفة، مثل تقليل السكر، والحد من الأغذية فائقة التصنيع، وتنظيم نمط الحياة الغذائي.

لكن الإشكال لا يكمن في هذه المبادئ بحد ذاتها، بل في تحويلها من توصياتٍ عامة إلى حقائق مطلقة، ومن إرشاداتٍ مرنة إلى قوالب علاجية صارمة.

وهنا يحدث الالتباس: حين يختلط الصحيح جزئيًا بالمبالغة الشاملة، فيغدو الخطاب أقوى تأثيرًا، لكنه أضعف دقة.

(خاتمة: من يملك تعريف الحقيقة؟)

إن أخطر ما في المشهد الإعلامي المعاصر ليس تعدد الأصوات، بل قدرة بعض الأصوات على احتكار تعريف الحقيقة في الوعي الجمعي.

وفي زمن المنصات المفتوحة، لم تعد المعركة بين “معلومة صحيحة” و”معلومة خاطئة” فقط، بل بين منهجٍ علميٍّ متأنٍّ وخطابٍ إعلاميٍّ سريع قادر على تشكيل الانطباع قبل أن يكتمل الفحص.

وهكذا، يصبح السؤال الأهم:

هل ما نؤمن به هو ما ثبت بالدليل؟

أم ما استقر في الوعي لكثرة تكراره وإحكام عرضه؟

في النهاية، ليست القضية في أن نرفض التأثير، ولا أن نُسلّم له.....

بل أن نمتلك القدرة على التمييز بين قوة الفكرة… وقوة انتشارها.

فليس كل ما يشيع حقيقة، وليس كل ما يُقنع برهانًا، وليس كل ما يُتداول علمًا...

والوعي في جوهره ليس أن نُصدّق أكثر…...

بل أن نفهم أعمق.