آخر تحديث :الثلاثاء-12 مايو 2026-11:10م

حين تَتَحَوَّلُ "الفَزعَة" إلى تُهمَة!

الثلاثاء - 12 مايو 2026 - الساعة 10:40 م

محمد علي محمد أحمد
بقلم: محمد علي محمد أحمد
- ارشيف الكاتب




في أدبيات الإدارة الحديثة، هناك فرق شاسع بين موظف يؤدي "واجبه" الروتيني لينتهي دوامه، وموظف يسكنه "هَمُّ المكان" أينما حَلَّ وارتحل؛ فالصنف الثاني هو العملة النادرة التي لا تُشتَرَى بالمال، بل تُنَمَّى بالتقدير، وهو ذاك الذي يرى في ممتلكات مؤسسته بيته، وفي سمعتها كرامته الشخصية، وفي عجز زملائه عن حل معضلةٍ ما نداءً للواجب لا يقبل التردد.



إن الإخلاص الحقيقي حالة عفوية، لا تعترف بحدود "الوصف الوظيفي" الجامدة حين تقع الأزمات، بل عندما يتدخل الموظف بحكمته ورجاحة عقله لترميم صَدعٍ أو حَلّ إشكال في غير موقعه المباشر، هو لا يطمح لمنازعة أحدٍ سلطته، ولا يبحث عن استعراض للذات؛ بل يتحرك بدافع "الاستشعار العالي بالمسؤولية" و "الغِيرة المهنية" المحمودة التي تجعل صمت المخلص أمام المشكلة ضرباً من التقصير.



فـ "الفزعة الصادقة الحكيمة" ليست بند إداري أو مسمىً وظيفي ، بل هي مَلَكَةٌ تُسَخَّرُ لخدمة وصيانة كيان العمل ، وقتل تلك المَلَكَة بكلمات جارحة هو هدم لجسور الولاء قبل أن يكون إحباطاً للفرد، ومن المؤسف أن تُواجَه ببرود التراتبية، أو أن يُفَسَّر الحرص على أنه تدخلٌ فيما لا يعني، وإن الكلمة التي تخرج من المسؤول —بقصد أو بغير قصد— لتضع الحواجز أمام مبادرات الموظف المخلص، هي بمثابة "إطفاء متعمد" لمحرك الإبداع، فبدلاً من أن يُقال له: "شكراً لحسك الحاضر دوماً ، حين غاب عن الآخرين"، يُقال له بأسلوب جارح: "لا تتدخل فيما ليس من اختصاصك!"



تلك الكلمات ، رغم قصرها، تترك ندوباً غائرة في روح الموظف الذي لا يرى في عمله مجرد "مُهِمَّة" أو" مِهنَة" بل رسالة و انتماء، إنها تصدم مشاعره وتدفع قلبه المخلص للاعتزال خلف حدود المكتب، وهو خَيَار يُمَثِّل الخسارة الأكبر لأي مسؤول يدرك قيمة أولئك الرجال في الشدائد قبل الرخاء.



إن القائد الحقيقي هو من يُفرّق بين "التطاول" وبين "الحِرص"، فالموظف الذي يغضب لمصلحة العمل ويتحرّك بدافع الانتماء هو كنزٌ يجب احتواؤه لا زجره؛ فـ "اللوائح إن كانت تُنَظِّمُ العمل، فإن القلوب المخلصة هي التي تحميه من العواصف".



ختاماً، أُوَجِّهُ رسالتين:


الأولى إلى كل قلبٍ مخلصٍ تَعَرَّضَ لصدمة عَدَمِ التقدير: "لا تحزن، فجمال وصفاء مَعدَنِكَ يظهر في الأَزَمات، ورَجَاحَة عقلك وتوازنك في حل المعضلات هي مكافأتك الذاتية التي لا ينزعها منك أحد".


والثانية إلى كل مسؤول: "رفقاً بالقلوب التي تحب منشآتها بصدق؛ فإذا انطفأت تلك الشعلة بفعل ولو كلمة قاسية، فلن تُعيدُ جَذوتَها ألف لائحة إدارية".