آخر تحديث :الثلاثاء-12 مايو 2026-11:10م

تحول التعليم إلى عبءٍ للمظاهر

الإثنين - 11 مايو 2026 - الساعة 03:03 م

حسن الكنزلي
بقلم: حسن الكنزلي
- ارشيف الكاتب

لم يكن التعليم في يومٍ من الأيام مجرد مهنة تُؤدَّى، أو وظيفةٍ تُطلب لأجل الراتب والمكانة؛ بل كان ـ ولا يزال ـ من أعظم الرسالات التي تُبنى بها الأمم، وتُصاغ بها العقول، وتُهذَّب بها النفوس. فالمعلم في ميزان القيم ليس موظفا يشرح الدروس فحسب؛ بل صانع إنسان، وحارس وعي، ومربٍّ يحمل بين يديه مستقبل الأجيال.


وقد نظر الإسلام إلى التعليم نظرة سامية، فجعل الإتقان فيه عبادة، والرحمة فيه أصلا، والمسؤولية فيه أمانة ثقيلة. لذلك لم يكن المطلوب من المعلم أن يملأ دفاتر الطلاب بالكلمات؛ بل أن يملأ قلوبهم بالثقة، وعقولهم بالوعي، ونفوسهم بالقيم. ولم يكن المقصود من المدرسة أن تكون ساحة استعراض؛ بل ميدان بناء وصناعة للإنسان.


غير أن المتأمل في واقع بعض البيئات التعليمية اليوم؛ يشعر بحزن عميق وهو يرى كيف بدأت المظاهر تتسلل إلى التعليم شيئا فشيئا، حتى غدت بعض المدارس أقرب إلى ساحات للمقارنة الاجتماعية منها إلى مؤسسات للتربية والعلم.


ففي كثير من الأحيان، يُطلب من الطالب دفاتر كثيرة لا تُستخدم إلا قليلا، وكأن قيمة التعليم بعدد الأوراق لا بجودة المعرفة. وتُرفض الكراسات المستعملة رغم صلاحيتها، في رسالة خفية تُربي الطفل على الاستهلاك؛ بدل القناعة، وعلى الشكل ؛بدل الجوهر.


ثم تتوسع الدائرة إلى ما يُعرف بالـ"جَمْعَة" المدرسية؛ حيث يتحول الطلاب إلى مقارنات صامتة بين من يملك ومن لا يملك؛ هذا يحضر ما لذّ وطاب، وذاك يقف منكسر القلب؛ لأنه عاجز عن المشاركة. وقد لا يتحدث الطفل عن ألمه؛ لكنه يشعر في داخله بأنه أقل من غيره، وأن الفقر أصبح عيبا يُخجل منه أمام زملائه.


ولم تقف المظاهر عند هذا الحد؛ بل امتدت إلى حفلات التخرج التي تحولت في بعض الأحيان إلى مناسبات مرهقة للأسر؛ ملابس باهظة، وتكاليف تثقل كاهل الآباء، وصور واستعراضات لا تضيف للعلم قيمة، ولا للتربية معنى. حتى بدا وكأن النجاح الحقيقي لا يكتمل إلا بالمظاهر والإنفاق.


إن أخطر ما في هذه الظواهر ليس المال الذي يُدفع؛ بل القلوب التي تُكسَر بصمت. فالطفل الذي يعجز عن مجاراة زملائه قد يحمل داخله شعورا بالنقص يستمر سنوات، وقد يفقد ثقته بنفسه، أو ينطوي على ذاته، أو يعيش قلقا دائما من الطلب القادم الذي لا يستطيع توفيره. وفي الجهة المقابلة، قد ينشأ بعض الميسورين على التفاخر والشعور بالتفوق بما يملكون، لا بما يحملون من أخلاق وقيم.


وهكذا بدل أن تصنع المدرسة نفوسا متوازنة؛ تبدأ بصناعة فجوات نفسية واجتماعية بين الطلاب، فينشأ جيل تُرهقه المقارنات، وتنهكه المظاهر، ويبتعد شيئا فشيئلا عن المعنى الحقيقي للعلم.


وما كان لهذه الظواهر أن تنتشر لولا أسباب أعمق تضرب جذورها في المجتمع؛ من حب الظهور، وثقافة التفاخر، والتقليد الأعمى، وتأثير الإعلام الذي يقيس قيمة الإنسان بما يرتديه أو يملكه؛ لا بما يحمله من علم وأخلاق.


لكن الإسلام - في جوهره - جاء ليحرر الإنسان من هذا الوهم الكبير؛ فقد نهى عن الإسراف والتبذير، وحذّر من الكبر والتعالي، وربط قيمة الإنسان بتقواه وعمله، لا بثيابه ومظاهره. كما دعا إلى الرفق بالناس، وعدم تحميلهم ما لا يطيقون، وجعل الرحمة أساسا في كل مسؤولية.


ومن هنا؛ فإن المسؤولية لا تقع على المدرسة وحدها؛ بل هي مسؤولية مشتركة بين المعلم والأسرة والمجتمع:

– فالمعلم مطالب بأن يتذكر أن بين طلابه من يخفي فقره خلف ابتسامة خجولة، وأن طلبا بسيطا قد يتحول في بيت فقير إلى همّ ثقيل. وهو مطالب كذلك بأن يجعل الأنشطة في خدمة التربية؛ لا في خدمة المظاهر، وأن يزن كل قرار بميزان الرحمة والحكمة.

– والأسرة بدورها مطالبة بأن تُربي أبناءها على القناعة، وأن تغرس في نفوسهم أن الإنسان لا يُقاس بما يلبس؛ بل بما يحمل من إيمان وخلق وعلم. فحين يتربى الطفل على البساطة؛ يكبر قلبه قبل أن تكبر مطالبه.

– أما المجتمع؛ فعليه أن يعيد الاعتبار للقيم الحقيقية، وأن يتوقف عن صناعة الضغوط الاجتماعية التي تدفع الناس إلى التفاخر والتكلف ولو على حساب راحتهم وكرامتهم.


إن إصلاح التعليم لا يبدأ فقط من الأنظمة والقرارات؛ بل يبدأ من النيات، ومن إعادة فهم معنى التربية الحقيقي؛ فالتعليم ليس أكوام دفاتر، ولا حفلات صاخبة، ولا صورا تُنشر؛ بل هو بناء إنسان يعرف ربه، ويحترم نفسه، ويرحم الناس، ويحمل علما نافعا وأخلاقا كريمة.


وحين تعود الرحمة إلى المدارس، والبساطة إلى الأنشطة، والعدل إلى التعامل؛ سيعود التعليم إلى رسالته الأولى: نورا يرفع الإنسان؛ لا عبئا يثقله، وميدانا لبناء القيم؛ لا سوقا للمظاهر.

نسأل الله أن يطهِّر قلوبنا من الرياء وحب المظاهر، ويملأها إيمانا وقناعة ورضا!

ودمتم سالمين!