آخر تحديث :الأحد-26 أبريل 2026-11:14م

البحر أمانة لا غنيمة

الأحد - 26 أبريل 2026 - الساعة 09:58 م

حسن الكنزلي
بقلم: حسن الكنزلي
- ارشيف الكاتب

ليس البحر الذي تمتد صفحاته أمام أعيننا مجرد ماء أزرق يلامس الأفق؛ بل هو كتاب مفتوح من كتب القدرة، ونعمة متدفقة من نعم الله، ومورد حياة لا ينضب لمن عرف قدره، وشكر فضله، وأحسن التعامل معه. إنه عالم متكامل، تتناغم فيه الكائنات، وتتوازن فيه الأدوار، ويقوم على نظام دقيق لا يختل إلا إذا امتدت إليه يد العبث أو الجشع.


لقد أُبيح للإنسان أن ينتفع بخيرات البحر؛ يأكل من طري لحمه، ويستخرج من كنوزه، ويجعل منه مصدر رزق ومعاش؛ لكن هذه الإباحة ليست تفويضا مفتوحا للعبث، ولا تصريحا للإفساد؛ بل هي أمانة مشروطة، قوامها المسؤولية، وحدّها عدم الإضرار. فالإنسان في هذا الكون مستخلف، لا مالك مطلق، ومؤتمن لا متصرف بلا قيد.


حين يفهم الإنسان معنى الاستخلاف، يدرك أن كل ما بين يديه هو مسؤولية، وأن النعمة إن لم تُصن انقلبت نقمة، وأن كل تعدٍّ على هذا البحر هو في حقيقته اعتداء على ميزان دقيق أقامه الله بحكمة. فالطبيعة لا تختل فجأة؛ لكنها تبدأ بالانهيار حين يتكرر العبث، ويُستباح التوازن.


وفي واقعنا اليوم؛ لم يعد الحديث عن فساد البحر مجرد تحذير نظري: بل أصبح مشهدا يوميا نراه ونلمسه؛ صيد جائر لا يميز بين صغير وكبير، ووسائل مدمرة تقتل الحياة في مهدها، وشعاب مرجانية تُهدم وهي مهد الكائنات البحرية، ومواسم تكاثر تُنتهك وكأننا نستعجل نفاد الرزق بأيدينا.


الأخطر من ذلك: أن هذه الممارسات لم تعد تُرى كأخطاء عابرة؛ بل كأنها مهارة أو فطنة؛ بينما هي في حقيقتها قصر نظر، وسوء أمانة، وعدوان على حق الأجيال القادمة. فالصياد الحقيقي ليس من يجمع أكبر قدر ممكن اليوم،؛ بل من يحفظ المورد ليستمر عطاؤه غدا.


إن اختلال البيئة البحرية لم يعد خفيا؛ فقد بدأت نتائجه تظهر بوضوح: قلة في الصيد بعد وفرة، وارتفاع في الأسعار بعد يسر، وهجرة للأسماك، وتدهور في جودة المياه. وكل ذلك نتيجة مباشرة لتصرفات الإنسان حين ينسى أنه جزء من هذا النظام، لا سيد عليه.


ولا تقف آثار هذا الفساد عند حدود البحر؛ بل تمتد إلى المجتمع كله؛ فحين ينهار المخزون السمكي، يتضرر الأمن الغذائي، ويعاني الصياد البسيط قبل غيره، وتتسع فجوة الفقر، ويختل التوازن الاقتصادي؛ بل إن التلوث البحري يعود إلى الإنسان نفسه، في غذائه وصحته، وكأن الطبيعة تعيد إلينا ما صنعناه بأيدينا.


إن ما يحدث في البحار اليوم ليس مجرد تجاوزات مهنية؛ بل قضية أخلاقية وإنسانية كبرى. إنها اختبار للضمير، وامتحان للأمانة، ومقياس لمدى وعينا بمسؤوليتنا تجاه هذا الكون. فالموارد ليست ملكا لجيل واحد؛ بل هي حق مشترك بين الحاضر والمستقبل.


ومع ذلك؛ فإن الأمل لا يزال قائما. فكما أن الفساد من صنع الإنسان؛ فإن الإصلاح كذلك يبدأ منه. يبدأ بوعي الصياد، وبمسؤولية التاجر، وبحزم الجهات المعنية، وبصوت العلماء والمثقفين الذين يربطون بين السلوك اليومي والقيم الكبرى.


إن حماية البحر لا تعني حرمان الناس من الرزق؛ بل تعني ضمان استمراره. وتنظيم الصيد ليس تضييقا؛ بل هو صيانة للمورد. واعتماد الوسائل المستدامة ليس ترفا؛ بل ضرورة لبقاء الحياة البحرية.

في النهاية؛ يبقى السؤال معلقا أمام كل واحد منا: هل نتعامل مع البحر كغنيمة ننهبها، أم كأمانة نصونها؟


البحر ليس مجرد مورد اقتصادي؛ بل هو شريان حياة، وركيزة مجتمع، وضمان مستقبل. وإن حفظه ليس خيارا ثانويا؛ بل واجب أخلاقي ومسؤولية جماعية.


فإما أن نكون أمناء على هذه النعمة، فنحفظها لأنفسنا ولأبنائنا، وإما أن نكون شهودا على ضياعها؛ يوم لا ينفع الندم.


نسأل الله أن يحفظ بحارنا من الفساد، وأن يديم علينا خيراتها، ولا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا!

ودمتم سالمين!