آخر تحديث :الخميس-23 أبريل 2026-06:59م

صناعة الجهل . كيف تسرق الخوارزميات وعينا؟

الخميس - 23 أبريل 2026 - الساعة 04:54 م

حكيم الشبحي
بقلم: حكيم الشبحي
- ارشيف الكاتب

​يخطئ من يظن أن هاتفه الذكي هو مجرد وسيلة للتواصل.

الحقيقة المرة أننا نعيش اليوم داخل زنازين رقمية صممت هندسيا لتأطير وعينا وإعادة صياغة اهتماماتنا. نحن ضحايا لما يسمى غرف الصدى تلك الدوائر المغلقة التي تكرر لنا ما نهواه وتستفزنا بما نكره والهدف ليس تثقيفك أو تنمية عقلك بل إبقاؤك أسيرا للشاشة لأطول فترة ممكنة لأن وقتك ببساطة هو رأس مال يصب في جيوب أباطرة التكنولوجيا.

​المعادلة في عالم شبكات التواصل الاجتماعي واضحة وصريحة. الربح أولا. هذه الشركات ليست مؤسسات خيرية أو تعليمية بل هي كيانات تجارية تعيش على اقتصاد الانتباه.

الخوارزمية لا تملك بوصلة أخلاقية فهي لا تميز بين محتوى علمي رصين وبين مشهد تافه هي تميز فقط بين ما يحقق تفاعلا وما لا يحقق.


​وبما أن الغرائز البشرية تميل غالبا إلى الفضول السطحي أو الاستثارة فإن المحتوى الذي يحصد الإعجابات هو الذي يعمم ويدفع به إلى الواجهة مما يزيد من أرباح مالكي الشبكات بينما يغرق الفكر القويم في القاع لأنه هادئ ولا يخدم شهية الخوارزمية للضجيج.


​لعل المثال الأبرز والمؤلم لما نعيشه اليوم هو ما حدث مع الدكتورة التي ظهرت في مقطع فيديو بقلب معاناتها اليومية تناشد وتطالب بدعم مستشفى ريفي بالأدوية والمستلزمات لخدمة المرضى في مناطق نائية.

هذا الموقف الإنساني النبيل الذي كان ينبغي أن يكون قضية رأي عام تعاملت معه الخوارزميات ومن خلفها ذوي الوعي المتدني بانتهازية مقززة.

​بدلا من مساندة مطالبها انبرى البعض للهجوم على جسد الدكتورة لمجرد ظهور خصلة شعر من رأسها وحولوا المنشور إلى معركة وهمية تدعي الدفاع عن الأخلاق والدين متجاهلين تماما جوهر الرسالة وهو حق البشر في العلاج. وكان الأحرى مساندتها في مطلبها اولا ثم تقديم لها النصح في التعليقات عن خطئها.


​وهنا تظهر بشاعة الخوارزميات فقد قامت فورا بتصدير هذا المحتوى الهابط والتهجمي لأنه أحدث جدلا وصداما فأوصلته إلى كل هاتف بينما وأدت صرخة المستشفى والوجع الإنساني لأنها لم تكن تملك بريق الفضيحة الذي تعتاش عليه هذه الشبكات.

​المؤسف أن الكثير من المستخدمين يشاركون في هذه الجريمة الثقافية دون وعي فتجد البعض يضغط زر الإعجاب لغرض المجاملة الاجتماعية أو لأنه رأى محتوى يتجه نحو الترند فيقرر الركوب في الموجة ليحصد هو الآخر فتات التفاعل.

نحن من نصنع طغيان هذه المنصات ونساهم في رفع شأن التفاهة وتغليبها على الفكر وحقوق الناس.

​إن التفاهة اليوم تتستر خلف بريق الترند والكاسب الوحيد هو مالك المنصة الذي يراكم ثروته من شتات عقولنا. المعركة الحقيقية هي استعادة الوعي المسلوب فالمحتوى الهادف لن ينتشر ما لم نكن نحن جيشه والتفاهة لن تندثر ما لم نتوقف عن جعلها ترند بمجاملاتنا أو حتى بانتقادنا الذي يمنحها انتشارا أوسع.

​يجب أن ندرك أن جودة الفكرة لا تقاس بعدد المشاهدات وأن حماية وعي المجتمع تبدأ من شعور كل فرد بمسؤوليته تجاه ما ينقر عليه وما يشاركه حتى لا نتحول جميعا إلى أرقام في حسابات الأرباح ونترك قيمنا وقضايانا الإنسانية نهبا لخوارزميات صممت لتأسرنا لا لترتقي بنا.