في مشهد يثير كثيرًا من التساؤلات حول معايير الإنصاف والعدالة، تم صرف رواتب شهر مارس لكافة مكاتب السلطة المحلية في المحافظات المحررة، وصرف رواتب شهر يناير لمنتسبي الجيش والأمن، بينما ظل منتسبو الجامعات خارج هذا الإطار، دون معالجة واضحة، وبذريعة تصنيفهم ضمن “السلطة المركزية”، وكأن مكانتهم الأكاديمية تعوّضهم عن أبسط حقوقهم المعيشية.
هذا التبرير لا يصمد أمام الواقع، إذ يواصل أساتذة الجامعات أداء واجباتهم التعليمية والبحثية بانتظام ومسؤولية، رغم تأخر رواتبهم الفتات لشهور، في ظل ظروف اقتصادية بالغة القسوة، فهذه الفئة التي تمثل عماد العملية التعليمية وبناء الكفاءات الوطنية، تجد نفسها اليوم في مواجهة أعباء معيشية متراكمة، دون أي شبكة أمان أو استجابة رسمية توازي حجم التحدي.
وفي شهادة إنسانية تعكس عمق الأزمة، عبّر أحد الأساتذة من حملة لقب بروفيسور عن عجزه عن الاستمرار في أداء مهامه الجامعية، نتيجة عدم قدرته على توفير الحد الأدنى من تكاليف المواصلات اليومية، وأشار إلى أنه لم يعد يجد من يمد له يد العون، في ظل نظرة مجتمعية تفترض أن الأستاذ الجامعي بمنأى عن الحاجة.
ويقول في حديث مؤلم:
“لم أعد قادرًا على توفير احتياجات أسرتي الأساسية، حتى المواد الغذائية البسيطة أصبحت خارج متناولي، بعد أن اضطر صاحب البقالة لإيقاف التعامل بالدَّين نتيجة تراكم الالتزامات، أعيش على أمل صرف الراتب لتسوية جزء من هذه الأعباء، لكن الانتظار يمتد لشهرين دون أي أفق واضح”.
ولا تقف المعاناة عند حدود الضائقة المالية، بل تمتد إلى أثر نفسي عميق، حيث تحوّلت المكانة الأكاديمية إلى قيد اجتماعي يمنع صاحبها من طلب المساعدة، ويضاعف شعوره بالعجز أمام مسؤولياته الأسرية.
وفي ختام حديثه، وجّه نداءً صادقًا يحمل الكثير من الألم:
“أرجوك، إذا تم صرف راتب الجامعة، أبلغني بأي وسيلة ممكنة، لم يعد لدي رصيد في هاتفي، وهذه آخر مكالمة أجريها بعد أن استدنت مبلغًا بسيطًا”.
إن هذه الشهادة ليست حالة استثنائية، بل تمثل واقعًا تعيشه شريحة واسعة من الكوادر الأكاديمية في المناطق المحررة، ما يستدعي وقفة جادة ومسؤولة من الجهات المعنية، فاستمرار هذا الوضع لا يهدد فقط استقرارهم المعيشي، بل ينعكس سلبًا على جودة التعليم ومستقبل الأجيال.
إن إنصاف أساتذة الجامعات وصرف مستحقاتهم وتسوياتهم بانتظام ليس ترفًا إداريًا، بل واجب وطني وأخلاقي، يفرض نفسه كأولوية لا تحتمل التأجيل، حفاظًا على ما تبقى من هيبة التعليم ومكانة العلم في المجتمع.