انطلاقاً من الواقع الصحي المقلق الذي نعيشه اليوم، نجد أن عودة تفشي مرض الحصبة في عدة محافظات لم يكن محض صدفة، بل هو جرس إنذار حقيقي يعكس خطورة التهاون في إجراءات التحصين الروتينية. هذا التراجع في وعي البعض أو استسلامهم للمخاوف غير المبررة، جعل من بيئة أطفالنا مسرحاً لفيروس لا يرحم، ينتقل بسرعة البرق عبر الهواء ليصيب كل صغير لم يحصل على جرعته الوقائية، محولاً ضحكات المنازل إلى أنين ومعاناة.
وارتباطاً بهذا الخطر المحدق، يجب أن ندرك أن الحصبة ليست مجرد وعكة عابرة كما يروج البعض، بل هي عدوان فيروسي شرس يشن هجوماً على أجساد الأطفال الضعيفة، مخلفاً وراءه مضاعفات قد تلازمهم مدى الحياة. فالأمر لا يتوقف عند حدود الحمى والطفح الجلدي، بل قد يمتد ليصل إلى التهابات حادة في الدماغ أو فقدان دائم للبصر، وهي أثمان باهظة تُدفع فقط لأننا تأخرنا في اتخاذ خطوة بسيطة ومجانية كانت كفيلة بصد هذا الخطر.
ومواجهةً لهذه التحديات الصحية، تبرز اللقاحات كطوق نجاة وحيد وأصيل أثبتت كفاءتها على مر العقود في حماية ملايين الأنفس حول العالم. إن ما توفره وزارة الصحة من لقاحات آمنة ومجانية في كافة المرافق الصحية ليس مجرد إجراء إداري، بل هو حصن منيع مبني على أسس علمية صلبة تدحض كل الشائعات المضللة؛ فالحقيقة التي لا تقبل الجدل هي أن "وخزة" اللقاح البسيطة هي أرحم بكثير من صدمة المرض الذي قد يسرق مستقبل الطفل في لحظة إهمال.
وتأسيساً على ما سبق، تصبح مسؤولية حماية الصغار أمانة شرعية وأخلاقية لا تقع على عاتق المؤسسات الصحية وحدها، بل تبدأ من قرار شجاع يتخذه كل أب وأم داخل المنزل. فالمبادرة لاستكمال جرعات التحصين هي أسمى صور الرعاية والوفاء للأبناء، وهي الدليل العملي على تقديم مصلحة الطفل فوق كل اعتبار. فلنتكاتف جميعاً لنرسم مستقبلاً خالياً من الأوبئة، مدركين تماماً أن الوقاية اليوم هي الضمانة الوحيدة لكي لا يطرق الندم أبوابنا غداً.