آخر تحديث :الخميس-16 أبريل 2026-03:54م

التعليم معركة الوجود الصامتة

الخميس - 16 أبريل 2026 - الساعة 10:33 ص

حسن الكنزلي
بقلم: حسن الكنزلي
- ارشيف الكاتب

ليست أزمة التعليم التي نعيشها اليوم مجرد خلل إداري عابر، ولا عثرة خدمية يمكن تجاوزها ببعض الإجراءات؛ إنها قضية وجود، تمس صميم الدين، وجوهر الهوية، ومستقبل الأجيال. إنها معركة صامتة، لا تُسمع فيها أصوات المدافع؛ لكنها تُهدِّد العقول، وتُعيد تشكيل الوعي، وتُحدد مصير الأمم.


حين نزلت أول كلمة من السماء إلى الأرض، لم تكن أمرا بالصلاة أو الصيام؛ بل كانت نداء مدويا: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾؛ وكأنها إعلان إلهي أن البداية الحقيقية لكل نهضة هي العلم، وأن الجهل هو أول أبواب السقوط. ثم جاء التأكيد الرباني: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾؛ فالعلم ليس رفاهية؛ بل هو سلّم الارتقاء، وميزان التفاضل، وأساس الثبات.


وفي هذا السياق، يحتلّ المعلم مكانة فريدة؛ فهو ليس موظفا يؤدي مهمة محدودة؛ بل هو وريث رسالة الأنبياء، وصانع العقول، وغارس القيم، وباني الإنسان. وانهيار المعلم ليس خسارة لفرد؛ بل تصدّع في أساس الأمة كلها. وحين كان السلف يجلّون المعلم، كانوا يدركون أنهم إنما يعظّمون مستقبلهم.


لكن الواقع اليوم يروي قصة مختلفة؛ قصة أزمة تتسلل بهدوء؛ لكنها تترك أثرا عميقا. فقد عزف كثير من الشباب عن مهنة التعليم، لا زهدا في العلم، بل يأسا من واقع لا يضمن كرامة، ولا يوفر استقرارا، ولا يفتح أفقا. معلمون يتركون رسالتهم بحثًا عن لقمة العيش، وآخرون يهاجرون، وبعضهم يرهق حتى ينهار. وفي المقابل، تتسع الفجوة: مدارس مكتظة، عجز في الكوادر، واستعانة بغير المؤهلين، فيتحول التعليم من رسالة إلى مجرد أداء شكلي، وتُخرَّج أجيال بلا أساس متين.


إن أخطر ما في هذه الأزمة ليس مظاهرها؛ بل نتائجها الممتدة؛ فحين يضعف التعليم، لا تتضرر المدرسة وحدها؛ بل يهتز المجتمع بأكمله؛ تتراجع المهارات، وتغيب القدوة، ويرتفع منسوب الجهل، ومع الجهل تتكاثر الانحرافات. وحين يغيب المعلم المؤهل؛ يفسح المجال للجهل أن يتصدر، وللأفكار المنحرفة أن تجد طريقها إلى العقول.


وهنا تبدأ سلسلة الانحدار: جهل يُنتج انحرافا، وانحراف يقود إلى اضطراب، واضطراب يهدد استقرار المجتمع. كما يفتح ضعف التعليم أبوابا خطيرة: من الجريمة، إلى التطرف، إلى التبعية الفكرية، حيث يصبح الجيل فاقدا للبوصلة؛ لا يعرف تاريخه، ولا يعتز بهويته، ولا يدرك رسالته.


إن هذه الأزمة ليست قدرا محتوما؛ بل نتيجة تراكمات من التقصير: إهمال اقتصادي يُبخس المعلم حقه، وسوء إداري يفتقد الرؤية، وتراجع اجتماعي يُقلل من قيمة التعليم، وضغوط نفسية تُطفئ دافعية الشباب، وأوضاع سياسية مضطربة تخنق كل مشروع نهضوي. إنها شبكة معقدة من الأسباب، صنعت واقعا لا يمكن تجاهله.


ومع ذلك؛ فالأمل لا يزال قائما؛ لكنّه يحتاج إلى إرادة صادقة، وقرار شجاع. يبدأ الحل بإعادة الاعتبار للمعلم، ماديا ومعنويا؛ فلا يمكن لمن يُطلب منه بناء أمة أن يعيش مهدد الكرامة. ثم يأتي استئناف التوظيف، وفتح الأبواب أمام الكفاءات الشابة، وتحفيز الطلاب على الالتحاق بكليات التربية عبر ضمانات حقيقية لمستقبلهم.


كما أن تأهيل المعلمين غير المتخصصين بات ضرورة ملحّة، لا خيارا مؤجلا، إلى جانب تفعيل الشراكة المجتمعية، بحيث يصبح التعليم مسؤولية جماعية، لا عبئا حكوميا فقط. ولا بد كذلك من إصلاح السياسات التعليمية، وبناء استراتيجيات بعيدة المدى، تجعل من التعليم أولوية لا تقبل التأجيل.


إن الاستثمار في التعليم ليس إنفاقا؛ بل هو بناء للمستقبل؛ وكل تقصير فيه هو هدم صامت، قد لا نرى آثاره اليوم، لكننا سندفع ثمنه غدا أضعافا مضاعفة.


في النهاية؛ ليست القضية قضية مدارس أو مناهج؛ بل قضية أمة بأكملها. فالتعليم هو خط الدفاع الأول عن بقائها؛ إذا انهار، انهار كل شيء بعده: الفهم، والأخلاق، والوعي. ونحن اليوم أمام لحظة فاصلة: إما أن نتحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أو نواصل الصمت حتى نصحو على جيلٍ يعيش بلا علم، ويتحرك بلا وعي، ويُقاد بلا إرادة.


إنها دعوة مفتوحة لكل فرد: دولة، ومجتمعا، وأسرة، ومفكرا، وإعلاميا... فالجميع مسؤول، والجميع معني. والسؤال الذي سيبقى معلقا: ماذا قدم كل منا لإنقاذ هذا الجيل؟


نسأل الله أن يصلح أحوال التعليم في بلادنا، ويهيئ له صادقين مخلصين، وأعن المعلمين، وارفع قدرهم، وبارك جهودهم!

ودمتم سالمين!