ليست أمراض أبين من داخلها، بل فُرضت عليها من خارجها، كندوبٍ غائرة لم تخترها، لكنها حُمِّلت بها قسرًا.
أبين ليست استثناءً في هذه البلاد؛ هي كغيرها من المحافظات، فيها من الخيرات ما يكفي، وفيها من النقص ما يستدعي الإنصاف. ليست أرضًا مباركة على إطلاقها، ولا بقعةً منكوبة بطبيعتها، وأهلها ليسوا ملائكة ولا شياطين، بل بشرٌ يشبهون سائر اليمنيين في أحلامهم وانكساراتهم. غير أن الأنظمة المتعاقبة اختارت أن تراها بعين الخصومة، لا بعين المسؤولية، فتعاملت معها كأرضٍ متمرّدة، لا كجزءٍ من الوطن.
لم يحدث أن انسحبت الدولة، متسللةً في جنح الظلام، بجيشها وأمنها، من محافظةٍ يمنية، تاركةً أهلها فريسةً للفوضى، كما فعلت في أبين. هناك، تُرك الناس وحدهم، في مواجهة المجهول، بلا حماية، بلا سند، وكأنهم خارج حدود الدولة لا داخلها.
وفي سابقةٍ لم تألفها بقية المحافظات، أُلقيت على كاهل أبناء أبين مهامّ الدولة نفسها؛ فدافعوا عن مدنهم وقراهم، حين تخلّت الدولة عن واجباتها. وبدلًا من أن تعود لبناء مؤسساتها، أنشأت لجانًا شعبية تقاتل عنها، وتدير ما تبقّى من حياة، فيما تحوّلت مناطق بأكملها إلى فراغٍ موحش، تسكنه الذكريات.
ثم جاء الانقسام، ليزيد الجرح عمقًا؛ فقُسّمت أبين سياسيًا إلى شطرين لا يجمعهما إلا الاسم. جزءٌ يتبع هذا الطرف، وآخر لذاك، وكلاهما يُعاملها كأنه عبءٌ زائد، أو ابنٌ لقيط لا يعترف به أحد. فغابت عنها يد الدولة، وتنازعتها سلطات الأمر الواقع، دون أن تجد في أيٍّ منها حضنًا حقيقيًا.
ففيما تشكّلت النُّخب والأحزمة الأمنية في كل المحافظات المجاورة لها، بقيت أبين خارج الحسابات، كأنها استثناءٌ لا يُراد له أن يُحتسب. نظر إليها الانفصاليون كتهديدٍ لمشروعهم، ورآها الوحدويون سببًا في زوال دولتهم؛ فالتقت الإرادتان، على اختلافهما، عند خصومتها. كلاهما رآها عقبة، ولم يرَ ما قدّمته من تضحيات، ومواقف ،ولا الدماء التي سالت من أبنائها في طول اليمن وعرضها.
فهل كان موقعها الجغرافي لعنتها؟
أ كونها حلقة الوصل بين جنوب البلاد وشرقها جعلها هدفًا للتعطيل المتعمد؟بالنسبة للوحدويين، لأن الجغرافيا لا تكتمل دونها، لذا كان لا بد أن تبقى معلّقة. بينما رأى الانفصاليون في خرابها ضمانةً لاختلال رمانة ميزان التمثيل الجنوبي في أي تسوية، وهكذا، ظلّت أبين رهينة حساباتٍ لا ترى فيها إلا ورقةً على طاولة الصراع.
ستة عشر عامًا مضت، عجافًا كأنها قرنٌ من التيه. تبدّلت وجوه، وتراجعت قوى، وتفكّكت مراكز، ووهنت قبضات كانت تُظن أنها أبدية. فهل آن الأوان لإعادة النظر؟
هل سيعيد شركاء العملية السياسية ومن خلفهم حساباتهم تجاه هذه المحافظة التي كانت ساحةً لتصفية الخصومات، ومصبًا للأحقاد؟
هل ستعود الدولة، أخيرًا، لتراها كما يجب أن تُرى: محافظةً يمنية تستحق العدل، لا العقاب؟
هل ستعيد لها اعتبارها، وتعتذر لأهلها عمّا لحق بهم من تهميشٍ وخراب، ماديًا كان أم معنويًا؟
إن إعادة أبين لا تبدأ بالكلمات، بل بعودة الدولة إلى مؤسساتها، وبقرارٍ سياسيٍ شجاع، وبتمويلٍ يعيد بناء ما تهدّم في الأرض والإنسان والذاكرة. لتنهض أبين من بين الركام ، وتعود لها الحياة كجزء من وطنٍ يتّسع للجميع.
ويبقى الجواب... مؤجّلًا إلى ما ستكتبه الأيام.