في زمن تتلاطم فيه أمواج الصراعات، ويعلو فيه ضجيج الشعارات، يجد كثير من الناس أنفسهم أمام مواقف ملتبسة، تختلط فيها الحقائق بالعواطف، ويضيع فيها ميزان التقدير بين حرارة الألم وصخب الحماسة. وفي خضم هذا الاضطراب، قد يندفع المرء ظنا منه أنه ينصر الحق، بينما هو في الحقيقة يسير خلف عاطفة لم تُهذَّب بنور الوحي، ولم تُضبط بميزان العلم.
لقد وضع الإسلام قاعدة راسخة في التعامل مع المواقف: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، فالموقف الحق ليس ما تميل إليه النفس، ولا ما يشتعل به الشارع، ولا ما تروّج له المنصات؛ بل هو ما قام على الدليل، واستقام مع مقاصد الشريعة، ونظر في العواقب قبل أن يحكم أو ينحاز.
إن القرآن والسنة ليسا نصوصا تُتلى في المحاريب فحسب؛ بل هما منهج حياةٍ شامل، يوجّهان الإنسان في عبادته كما يوجّهانه في مواقفه من الفتن والصراعات. فالصراع سنة كونية لا تتوقف، والتدافع بين الناس ماضٍ إلى قيام الساعة: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾، كما أن الابتلاء سنة لتمييز الصادق من المدّعي، والثابت من المتقلب.
غير أن الخطأ الأكبر يكمن في قراءة الواقع قراءة سطحية؛ حيث يُختزل المشهد في شعارات براقة، فيُظن أن كل من رفع راية الدين صادق، أو أن كل من عادى خصما لنا صار حليفا لنا. والحقيقة أن كثيرا من صراعات اليوم تحكمها حسابات النفوذ والمصالح، لا منطلقات الحق والعدل، فتتقاطع فيها المصالح، وتتشابك فيها الأدوار، حتى يلتقي الخصوم أحيانا على حساب الشعوب المستضعفة.
وهنا تتجلى خطورة الخداع بالشعارات؛ فكم من مشروع يرفع راية المقاومة وهو يمارس القهر! وكم من قوة تزعم الحماية وهي تستنزف خيرات الشعوب! وكم من خطاب يتغنّى بالعدل وهو يؤسس لظلم جديد! والنتيجة واحدة: أوطان مهدّمة، وشعوب ممزقة، وثروات منهوبة.
في هذا السياق، يبرز العدل كقيمة لا تقبل المساومة، حتى في أحلك الظروف: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾؛ فليس كل من عادى عدوّك صديقا، ولا كل من خالف خصمك على حق. وقاعدة “عدو عدوي صديقي” ليست ميزانا شرعياذ؛ بل قد تقود إلى نصرة باطل بباطل، أو دفع ظلم بظلم آخر.
ومن أخطر مظاهر الخلل في زمن الفتن: تحريف المفاهيم الشرعية، وعلى رأسها مفهوم الولاء والبراء؛ إذ يُوسّع عند البعض حتى يشمل كل متوافق سياسيا، ويُضيّق عند آخرين حتى يُخرج المخالف في الاجتهاد. بينما الأصل أن يكون الميزان قائما على الحق نفسه، لا على العصبيات ولا على المصالح المؤقتة.
ولعل من أعظم الابتلاءات المعاصرة تلك المشاريع التوسعية التي تتخفّى خلف شعارات جذابة، بينما تحمل في جوهرها أهداف الهيمنة والسيطرة. تبدأ هذه المشاريع باختراق العقول قبل الحدود، ثم تُنشئ التبعية، حتى تفقد الشعوب قرارها، وتنتهي بتمزيق الكيانات وإضعاف الأمة. وغالبا ما تتلبس بقضايا عادلة لتجعل من آلام الناس جسورا تعبر عليها نحو تحقيق أطماعها، فيختلط الحق بالباطل، ويشتبه الأمر على العامة.
ومن نتائج هذا المسار الخطير: تحويل بعض الأوطان إلى ساحات صراع مفتوحة، تُدار فيها معارك بالوكالة، وتُستنزف فيها الطاقات، ويضيع فيها الشباب بين شعارات لا يدركون حقيقتها. وهنا تتضاعف المسؤولية في الحذر من الانجرار خلف دعواتٍ تفتح أبواب الفوضى، وتُهدد وحدة المجتمعات واستقرارها.
ومع ذلك، تبقى القضايا العادلة – وفي مقدمتها القضية الفلسطينية – حاضرة في وجدان الأمة، لا تسقط بالتقادم، ولا يجوز التفريط بها. غير أن نصرتها لا تكون بالفوضى، ولا بتدمير أوطانٍ أخرى، ولا باستغلالها لتبرير مشاريع منحرفة، بل تكون بالوقوف مع الحق بميزان العدل، ومنع الظلم أيا كان مصدره.
إن الخروج من هذا الواقع المضطرب لا يكون بالشعارات، بل بالإعداد الشامل: إعداد يحمي الأوطان، ويحصّن العقول، ويحقق الاستقلال الاقتصادي، ويبني الإنسان الواعي الذي يجمع بين صدق الإيمان وبصيرة العقل. فالتغيير الحقيقي يبدأ من الداخل: من وعي يتشكل، وتربيةٍ تُبنى، وجيل لا يُخدع بالزيف ولا يُساق خلف الضجيج.
كما أن وحدة الصف ليست خيارا ترفيهيا؛ بل ضرورة شرعية واستراتيجية؛ إذ لا يمكن لأمة ممزقة الولاءات أن تقف بثبات، ولا أن تدفع عن نفسها الأخطار. وقد جعل الله الاعتصام بحبله سبيلا للقوة، ونهى عن التنازع لما فيه من ذهاب الريح، أي ضياع القوة والهيبة.
وفي خضم هذه التحديات، تتوزع المسؤولية على الجميع: على الأفراد في وعيهم وتثبتهم، وعلى الشباب في توجيه طاقاتهم نحو البناء لا الهدم، وعلى الإعلام في أن يكون أداة وعي لا وسيلة تضليل، وعلى القيادات في أن تجمع ولا تفرّق، وتبني ولا تهدم.
في النهاية، يبقى الطريق واضحًا، لكنه يحتاج إلى صدقٍ وثباتٍ وبصيرة. فليس كل ما يلمع حقا، ولا كل ما يُرفع شعارا يُراد به وجه الله. والعاقل هو من استضاء بنور الوحي، ووزن الأمور بميزان العدل، ونظر إلى العواقب قبل أن ينحاز.
بهذا الوعي، وبهذا التوازن، يمكن للأمة أن تخرج من حالة التيه، وتتحول من ساحة صراع إلى أمة فاعلة، ومن واقع الضعف إلى أفق التمكين.
نسأل الله أن يرزقنا فهما بديننا، ووعيا بواقعنا، وثباتا على الحق لا تزعزعه العواصف، ولا تُغيّره الضغوط، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. ودمتم سالمين!