ليس المسجد الأقصى خبرا يُطوى مع نهاية النشرة، ولا حدثا موسميا يشتعل ثم يخبو؛ بل هو عقيدة تسكن وجدان الأمة، وأمانة تثقل أعناقها، وعنوان لهويتها التي لا تقبل المساومة. الأقصى ليس مجرد أرضٍ تُنازع عليها الأطراف؛ بل هو معنى إيماني عميق، ومقدس يُتقرّب إلى الله بحفظه والدفاع عنه؛ كيف لا، وقد اختاره الله مسرى لنبيه، وربط بينه وبين أقدس بقاع الأرض؟!
إن مكانة الأقصى في الوعي الإسلامي ليست طارئة؛ بل راسخة في نصوص الوحي، وممتدة في ضمير الأمة عبر القرون. فهو ثالث الحرمين، ومهوى أفئدة المؤمنين، ومعيار دقيق لصدق الانتماء؛ فمن كان قلبه مع الأقصى، كان حيّا بنبض الإيمان، ومن غاب عنه، غاب عنه شيء من روحه.
غير أن ما يجري اليوم في رحابه ليس حادثة عابرة؛ بل مشروع متدرّج، يُنفّذ بخطى محسوبة. تبدأ فصوله بالتضييق على المصلين، ومنع الشعائر، وتقييد الدخول، حتى يتحول الحق الأصيل إلى استثناء. ثم تتوالى محاولات فرض واقع جديد، تُغيَّر فيه معالم المكان، وتُمسخ هويته، في صمتٍ دولي يثير الريبة، وكأن هذا المسجد تُرك بلا حام ولا نصير.
وإذا أمعنا النظر، أدركنا أن ما يحدث ليس ارتجالا؛ بل هو سياسة مدروسة تقوم على اختبار ردود الفعل؛ فإن سكتت الأمة، تمادى الفعل، وإن ضعفت، تعمّق المشروع. يُستغل التفرق، ويُستثمر الانشغال الداخلي، لتُصنع الوقائع على الأرض، ثم تفرض كأمر واقع. وبين بطش الميدان وتضليل الإعلام، تُربك العقول، وتُخدر المشاعر.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز جرح آخر لا يقل ألما: قضية الأسرى. أولئك الذين يقبعون خلف القضبان، ليسوا أرقاما في تقارير؛ بل بشر لهم وجوهٌ وأسماء، لهم أمهات ينتظرن، وأطفال يترقبون. معاناتهم ليست فقط حرمانا من الحرية؛ بل نزيف إنساني مستمر، تتفكك فيه الأسر، وتُغتال فيه الطفولة، وسط صمت عالمي يتغنى بالحقوق، ويغض الطرف حين يكون الضحية عربيا أو مسلما.
وما يزيد المشهد مرارة، أن الأمة – رغم عظمتها – انشغلت عن جراحها الكبرى بصراعاتها الصغيرة. تفرقت كلمتها، وتبددت أولوياتها، حتى غابت القضايا المصيرية وسط ضجيج لا قيمة له. أصبح البعض ينظر إلى الأقصى كأنه شأن بعيد، لا يمس حياته، وغاب معنى الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد.
إن الأزمة، في جوهرها، ليست خارجية فقط؛ بل تمتد إلى داخل الأمة؛ حيث التفرق، والتعلق بالدنيا، والخوف من التضحيات، وغياب المشروع الجامع الذي يوحد الرؤية والهدف. وحين يضعف الوعي، تختلط المفاهيم، ويضيع العدو بين صديق مزعوم، وخطر مُغفَل.
لكن الطريق إلى التصحيح يبدأ من إدراك موطن الداء. فبناء الوعي الصحيح هو الخطوة الأولى، وإعادة ترتيب الأولويات ضرورة لا تحتمل التأجيل. لا بد من تربية جيلٍ يعرف قيمة مقدساته، ويحمل قضاياه في قلبه وسلوكه، لا في شعاراته فقط. كما أن استعادة روح المسؤولية الفردية والجماعية، كفيلة بإحياء الشعور بأن كل واحد جزء من هذه الأمة، وله دور لا يُستهان به.
إن نصرة الأقصى والأسرى ليست مهمة نخبة؛ بل مسؤولية أمة بأكملها؛ تبدأ بالكلمة الصادقة، وتمتد إلى الموقف الواضح، ولا تنتهي عند دعم صمود أهل الأرض بكل وسيلة مشروعة. فالصمت في زمن القضايا خذلان، والحياد في معركة الحق انحياز غير معلن.
وفي هذا السياق، تتعاظم مسؤولية الكلمة؛ فالإعلامي، والعالم، والداعية، ليسوا مجرد ناقلين للأحداث؛ بل صُنّاع وعي، وحراس حقيقة. دورهم أن يكشفوا الزيف، ويواجهوا التضليل، ويُبقوا القضايا الكبرى حيّة في وجدان الأمة، لا أن تُهمّش أو تُستبدل بسفاسف الأمور.
إن معركة الأقصى ليست صراع حدود؛ بل صراع هوية ووجود. ليست مجرد دفاع عن حجر؛ بل حماية لمعنى، وحفظ لمسار أمة. وتحرير الأرض يبدأ بتحرير الإنسان؛ من الخوف، ومن التبعية، ومن الجهل. فإذا استيقظت النفوس، استيقظت الأمة، وإذا نهضت الإرادة، تغيّر الواقع.
ورغم قتامة المشهد، فإن سنن التاريخ تُخبرنا أن الظلم لا يدوم، وأن الفجر يولد من رحم الظلام. لكن المستقبل لا يُمنح مجانا؛ بل يُصنع بوعي صادق، وعملٍ دؤوب، وجيل يحمل القضية بصدق، لا باندفاع عابر.
في النهاية، الأقصى والأسرى ليسوا خبرا؛ بل اختبار. اختبار لضمير الأمة، وصدق إيمانها، وحقيقة انتمائها. وكل واحد منا، مهما ظن أن دوره صغير، يملك كلمة، وموقفًا، وأثرًا. والتغيير لا يبدأ بخطوات عظيمة؛ بل بخطوة صادقة، تتبعها أخرى ثابتة، حتى يُكتب للأمة أن تستعيد وعيها، وتنهض من جديد.
نسأل الله أن يستعملنا ولا يستبدلنا، ويجعلنا سببا في نهضة أمتنا، ورد عزتها، ورفع رايتها، إنه على كل شيء قدير.
ودمتم سالمين!