في محافظةٍ أنهكتها الأزمات وتثقل كاهلها الملفات المؤجلة، لا يكون حضور المسؤول الحقيقي بما تصنعه الكاميرات من مشهد، بل بما يصنعه على الأرض من أثر ، ومن هذا المنطلق، يدخل محافظ أبين مختار الرباش إلى واحدة من أكثر المهام حساسية وتعقيداً، وسط آمال شعبية واسعة بأن تكون هذه المرحلة بدايةً مختلفة، عنوانها العمل الجاد لا الضجيج، والإنجاز الملموس لا الاكتفاء بالظهور.
فأبين اليوم لا تحتاج إلى مسؤول يُحتفى به مبكراً، بقدر ما تحتاج إلى قيادة تدرك حجم التحديات، وتتحرك بوعي ومسؤولية لانتشال المحافظة من واقعها الخدمي والتنموي المتعثر.
تتجه أنظار أبناء محافظة أبين إلى المحافظ مختار الرباش بكثير من الأمل والترقب، في ظل تطلع شعبي مشروع إلى مرحلة جديدة تُترجم فيها الوعود إلى إنجازات ملموسة على الأرض، بعيداً عن الضجيج الإعلامي والمبالغات التي كثيراً ما رافقت أداء بعض المسؤولين، حتى باتت الصورة أحياناً تسبق الفعل، والاحتفاء يعلو على الإنجاز.
ومنذ الساعات الأولى لمباشرته مهامه، حظيت تحركات المحافظ الرباش بمتابعة لافتة، سواء من خلال لقائه بمدراء العموم، أو مشاركته المواطنين صلاة عيد الفطر في العاصمة زنجبار، إلى جانب زياراته لعدد من المرافق الحيوية في زنجبار وجعار. وهي خطوات إيجابية ومحمودة، تُسجَّل له في إطار الحضور الميداني والتواصل المباشر مع الناس، غير أنها تظل جزءاً طبيعياً من واجبات المنصب، وليست بديلاً عن العمل التنفيذي العميق الذي ينتظره الشارع الأبيني.
إن أبناء أبين، وهم يرحبون بالمحافظ الجديد ويتمنون له النجاح والتوفيق، يدركون في الوقت ذاته أن المحافظة تقف اليوم أمام تحديات متراكمة ومعقدة، لا يمكن تجاوزها بالشعارات أو الحملات الترويجية، بل تتطلب إدارة جادة، ورؤية واضحة، وقرارات شجاعة قادرة على ملامسة أولويات الناس واحتياجاتهم اليومية.
وتواجه المحافظة جملة من الملفات الثقيلة، في مقدمتها ضعف الموارد المالية، وتهالك البنية التحتية، وعلى رأسها الطرقات المدمرة التي تحولت في كثير من المناطق إلى مصدر خطر دائم يهدد حياة المواطنين، ويحصد الأرواح بصورة متكررة ومؤلمة. كما يبرز القطاعان الزراعي والسمكي كأحد أهم المجالات الحيوية التي تستدعي اهتماماً عاجلاً، كونهما يمثلان العصب الاقتصادي ومصدر الرزق الأساسي لشريحة واسعة من أبناء المحافظة، في ظل غياب مشاريع التطوير والدعم المستدام.
ولا يقل الملف الأمني أهمية عن غيره، خصوصاً مع الحاجة الملحة إلى إعادة تفعيل أقسام الشرطة المغلقة منذ سنوات في عدد من المديريات والمناطق، بما يسهم في تعزيز الاستقرار، وترسيخ حضور الدولة، وتخفيف الأعباء عن المواطنين. إلى جانب ذلك، تظل الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والصحة، في صدارة مطالب أبناء أبين، باعتبارها تمس حياة الناس بصورة مباشرة، وتشكل المعيار الحقيقي لأي سلطة محلية تسعى إلى كسب ثقة المجتمع.
وفي ظل هذا الواقع، فإن المسؤولية الملقاة على عاتق المحافظ الرباش ليست مسؤولية فردية فحسب، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب تضافر الجهود، وتكامل الأدوار، وصدق النوايا. فدعم المحافظ لا يكون عبر الإفراط في صناعة الصورة، أو التنافس في إطلاق الألقاب، أو الاكتفاء بنشر صور الجولات الميدانية بجودة عالية، وإنما يكون من خلال إسناد حقيقي وعملي يقوم على تحمل كل جهة لمسؤولياتها، والعمل بروح الفريق الواحد، بعيداً عن المصالح الضيقة والمكاسب الشخصية.
إن أبين اليوم لا تحتاج إلى صناعة هالة حول المسؤول، بقدر ما تحتاج إلى مشروع إدارة فعّال يعيد ترتيب الأولويات، ويؤسس لمرحلة من العمل الجاد والمسؤول، يكون معيارها الوحيد هو ما يتحقق على الأرض من نتائج يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
ويبقى الأمل معقوداً على أن ينجح المحافظ مختار الرباش في تحويل هذه التطلعات إلى واقع، وأن يتمكن، بما يمتلكه من فرصة وثقة، من تسجيل حضور حقيقي يليق بأبين وتاريخها ومكانتها. فالمحافظة اليوم لا تنتظر كثيراً من الكلمات، بل تنتظر أفعالاً وإنجازات تعيد إليها شيئاً من حقها في التنمية والاستقرار والخدمات.
حفظ الله ابين ارضاً وانساناً