كتب - فارع المسلمي،
باحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
ملخص: لقد تعلّمت جارة اليمن الدرس الصعب المتمثل في أنّ الحياد في الصراع الدائر بالبلد المجاور، لا يمنحها أيّ حصانة، بل مجرّد أمل ضعيفٍ في احتواء الصراع.
--
شهد اليمن في الأيام الأخيرة من عام 2025 انقلابًا دراماتيكيًا آخر في حربه المتشابكة أصلًا. فبعد عقد من التدخل العسكري المشترك، وجدت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة نفسيهما على طرفي نقيض في صراع كانتا تخوضانه معًا فيما مضى.
واندلع الخلاف عندما شنّ المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات حملة واسعة النطاق لفرض سيطرته على شرق اليمن، واستولى على محافظتَي حضرموت والمهرة الشاسعتين، اللتين تشكلان معًا أكثر من نصف مساحة اليمن.
إلا أن تقدم المجلس الانتقالي لم يدم طويلًا. فقد تحركت السعودية بحزم بعد أن استشعرت خطورة توطيد سلطةٍ انفصاليةٍ على طول حدودها الجنوبية. وضغطت الرياض على الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا لطرد الإمارات من التحالف، وشنّت غارات جوية على أهداف عسكرية إماراتية داخل اليمن، وقدّمت دعمًا عسكريًا مباشرًا للعمليات التي أفضت في النهاية إلى طرد قوات المجلس الانتقالي من المحافظتين.
شكلت هذه الحادثة نقطة تحوّلٍ تنطوي على إهانة للسعودية بعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية المدمرة في اليمن. وقد بدأ هذا الصراع في عام 2014 عندما أطاح المتمردون الحوثيون المدعومون من إيران بالرئيس عبد ربه منصور هادي من العاصمة صنعاء. وفي العام التالي، شن التحالف بقيادة السعودية والإمارات عملية عاصفة الحزم، بهدف ردع الحوثيين واستعادة حكومة هادي.
يجد السعوديون أنفسهم الآن متهمين ليس فقط بمسؤوليتهم عن واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، ولكن أيضًا بمواجهة حليف سابق في ساحة المعركة نفسها التي ساعدوا في إشعالها.
غير أنّ تقليل حجم الإهانة لم يكن الشاغل الوحيد للرياض؛ إذ شكّل ظهور سلطة انفصالية على طول حدودها الجنوبية البالغ طولها 700 كيلومتر -لا سيما في حضرموت، التي تربطها بها علاقات قبلية واقتصادية وأمنية عميقة -صدمة استراتيجية.
ناقوس الخطر في عُمان
ومع ذلك، كانت عُمان أكثر مَن انتابه الفزع لهذا التطور الأخير.
ذلك أنَّ استيلاء المجلس الانتقالي الجنوبي على المهرة، المحافظة الواقعة في أقصى شرقي اليمن، التي تشترك في حدود طولها 300 كيلومتر مع عُمان، شكّل أخطر تهديد خارجي للأمن القومي لمسقط منذ عقود.
وبالنسبة إلى السلطنة التي عادةً ما تكون هادئة ومستقرّة، فإن ظهور علم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية السابقة على عتبة بابها أعاد إحياء مخاوف تاريخية عميقة. حيث غذى جنوب اليمن المستقل في الماضي تمرّد ظفار الذي أغرق عُمان في حربٍ استمرت قرابة عقد خلال سبعينيات القرن الماضي.
كما أدى هذا التطور إلى تشكُّلِ انطباع في عُمان بأنها أصبحت الآن محاصرة -من جانب الإمارات نفسها في الشمال، ومن جانب وكلاء الأخيرة في اليمن من الغرب.
ولطالما كانت دولة الإمارات، البلد المجاور لعُمان وغير وثيق العلاقة بها، مصدر قلق للأخيرة على مدى عقود. وزاد من هذا القلق المخاوفُ بشأن تدفقٍ محتمل للّاجئين من شرق اليمن، وتعطُّل قنوات الوساطة بالغة الحساسية مع إيران والحوثيين، وتآكل الحياد الإقليمي الذي حرصت مسقط على الحفاظ عليه.
أما الأمر الأشدّ إثارةً للمخاوف، فهو أنّ الأزمة ألقت بظلالٍ من الشك على تأكيدات السعودية الدائمة بأنها لن تغيّر التوازن الاستراتيجي على طول حدود عُمان.
وعلى مدى أيام، إلى أن تحركت الرياض بالقوة ضد المجلس الانتقالي الجنوبي وسياسيًا ضد أبوظبي، دخلت العلاقات السعودية العُمانية مرحلة غير عادية من التوتر وانعدام اليقين. بل إن المسؤولين العُمانيين تساءلوا في أنفسهم خلال الأسبوع الأول عمّا إذا كان ما حدث مؤامرة منسّقة بين الإمارات والسعودية.
الأمن - والمكسَب - في الحياد
يجب فهم رد فعل عُمان في سياق موقفها المتمايز في حرب اليمن ضمن عدة سياقات. فعندما بدأ التحالف الذي تقوده السعودية والإمارات التدخل في آذار/ مارس 2015، كانت هي الدولة الوحيدة في مجلس التعاون الخليجي التي رفضت الانضمام إلى التحالف العسكري. وبدلًا من ذلك، اتخذت موقف الوسيط المحايد، واستضافت كبار المسؤولين الحوثيين وأصبحت قناة مركزية للمفاوضات وتبادل الأسرى وجهود تخفيف حدة التوتر.
علاوة على ذلك، عندما أغلقت قوات التحالف الحدود والمطارات اليمنية، فتحت عُمان حدودها لتكون مراكز عبور لمئات الآلاف من اليمنيين الذين عبروا أراضيها من اليمن وإليه.
وقد أثمر هذا النهج عن نتائج إيجابية. فخلال العقد الماضي، أصبحت عُمان طرفًا لا غنى عنه لجميع الأطراف الفاعلة في الصراع تقريبًا، من السعودية وإيران، إلى الولايات المتحدة والحوثيين، والأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر. وساعدت مسقط مؤخرًا في التوصل إلى هدنة بين واشنطن والحوثيين أوقفت هجمات الحوثيين على سفن الشحن في البحر الأحمر قبل الزيارة التاريخية التي أجراها الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرياض أوائل عام 2025.
ولم يكن الحياد الذي أبدته عُمان مصادفةً ولا كان بدافع الإيثار البحت. بل كان ذلك انعكاسًا لفهمٍ تاريخي عميق لمقاومة اليمن للإكراه الخارجي، وحدود القوة العسكرية، والعلاقة المعقدة التي تربط مسقط بطهران والرياض وأبوظبي. وعلى عكس الإمارات، فإن عُمان والسعودية تشتركان أيضًا في أنهما تُحبّذان -وإن كان ذلك بصعوبة -الحفاظ على دولة يمنية واحدة، لأسباب ليس أقلها أنّ أيًا منهما لا يملك اتفاقية حدودية ملزمة قانونًا مع يمن جنوبيٍّ مستقل في المستقبل.
إدارة الأزمة في شرق اليمن
ردًا على تقدم المجلس الانتقالي الجنوبي، أرست عُمان والسعودية مستوى غير مسبوق من التنسيق بشأن اليمن. وتبادلَ كبارُ المسؤولين السياسيين والاستخباريّين والعسكريين والأمنيين الزيارات بين مسقط والرياض. ورفضت عُمان التطمينات التي قدمها المجلس الانتقالي بشأن أمن الحدود، وعززت حدودها مع محافظة المهرة، وانضمت إلى الجهود السعودية لاستعادة السيطرة على شرقي اليمن، حتى وإن كانت تتجنب المشاركة المباشرة في العمليات الجوية السعودية.
ورغم أنّ طرد المجلس الانتقالي الجنوبي من المهرة وتثبيت القوات السلفية الموالية للسعودية تحت راية "درع الوطن" قد خفّف الضغط المباشر على حدود عُمان، إلا أنّ مسقط تنظر إلى المشهد على المدى البعيد بقلق. فوجود أيّ قوة خارجية -سواء إماراتية أو سعودية -في المهرة يظلّ يمثّل نقطة ضعف استراتيجية في نظر عُمان. وتجدر الإشارة إلى أنّ نفوذ عُمان في مناطق المهرة وجزيرة سقطرى ظلّ على مدى عقودٍ يضاهي أحيانًا نفوذ الدولة اليمنية نفسها.
وما لم تؤدِ إعادة الترتيب الحالية في نهاية المطاف إلى إحياء خريطة الطريق السعودية-الحوثية التي توسّطت عُمان فيها بمشقَّة لسنوات، فإن النتيجة ستكون مزيدًا من التفتت داخل اليمن، وعلى طول حدود عُمان، وعبر دول مجلس التعاون الخليجي نفسها. وبالنسبة إلى دولة تعتمد في عقيدتها الأمنية على استقرار الجوار وعلى دبلوماسية تتسم بالتوازن المُحكَم، فإنّ مخاطر انتشار الصراع تظلّ على أشدُّها.
لقد نجحت عُمان حتى الآن في النجاة من العاصفة. غير أنّ هذه الحادثة تلقي الضوء على حقيقة لا مناص منها، وهي أنّ الحياد في اليمن اليوم، لا يوفّر أيّ حصانة دائمة، بل مجرّد أمل ضعيف في احتواء الصراع.
—
الصورة: لقاء جمع فريق من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاثام هاوس بوزير الخارجية العماني - السيد بدر البوسعيدي - مسقط 8 ديسمبر ( كانون الأول) 2025.