وقف محافظ محافظة لحج، مراد الحالمي، اليوم الأربعاء الموافق 30 سبتمبر 2026 م، أمام حادثة وفاة مريضة وأحد توأميها في مستشفى "ابن خلدون" العام بمدينة الحَوطَة، إثر مضاعفات حادة نجمت عن نقل دم غير مطابق لفصيلتها.
ونزل المحافظ الحالمي، ومعه مدير عام مكتب وزارة الصحة العامة والسكان بالمحافظة، الدكتور خالد جابر، إلى مستشفى "ابن خلدون"، حيث عاين واقع المرفق، واجتمع بالطواقم الطبية، والكوادر الإدارية بالمستشفى، واستمع إليهم في شأن ملابسات الحادثة، التي وقعت عقب دخول المريضة لتلقي الرعاية الطبية، وإجراء عملية ولادة قيصرية، قبل أن تتعرَّض لمضاعفات حادَّة إثر نقل دم غير مطابق لفصيلتها، أدت إلى وفاتها ووفاة أحد توأميها، وذلك بعد إتمام عملية إخراج التوأم الآخر.
وأكد المحافظ، أن ما حدث يمس جوهر المسؤولية الطبية والإنسانية، ولا يمكن التعامل معه باعتباره واقعة عابرة أو خللاً إدارياً محدوداً.. مشدِّداً على أن أرواح المرضى ليست مجالاً للتهاون، وأن كل إجراء طبي يفترض أن يستند إلى أعلى درجات الدِّقَّة واليقظة والالتزام، خصوصاً في الحالات الحرجة التي لا تحتمل أي خطأ في التشخيص، أو التَّدخُّل، أو تنفيذ الإجراءات العلاجية.
وأشار إلى أن نقل دم غير مطابق لفصيلة المريضة يمثل أمراً بالغ الخطورة، وأن ما ترتَّب عليه من مضاعفات أفضت إلى فقدان الأم وأحد طفليها يستوجب الوقوف على كل تفاصيل الواقعة، بدءاً من إجراءات التَّحقُّق والفحوصات السابقة لنقل الدم، مروراً بالكوادر التي باشرت الحالة، وانتهاءً بمسار التعامل مع التدهور الصحي الذي أصابها، وصولاً إلى تحديد المسؤولية بصورة دقيقة وواضحة.
ونوَّه الحالمي، بأن مستشفى "ابن خلدون"، ليس منشأة خدمية عادية، بل مرفق صحي حكومي حيوي يتَّصل بحياة الناس بصورة مباشرة، ويقصده المواطنون في لحظات المرض والضعف والاحتياج، الأمر الذي يجعل صيانة أرواحهم، وحفظ سلامتهم، أولوية لا تقبل المساومة، ولا يُبَرّر معها أي استهتار، أو إهمال، أو إخلال بالواجب المهني.
وأكد أن معالجة حادثة بهذه الخطورة تتطلَّب قراءة شاملة للواقع الداخلي للمستشفى، وعدم حصر المعالجة في الجانب المرتبط بالواقعة وحدها.
وقال الحالمي: "لن نسمح بأن تمر هذه الواقعة دون محاسبة، ولن نقبل أن تصبح أرواح المواطنين رهينة لأي صورة من صور الإهمال أو الاستهتار، فالمريض الذي يدخل المستشفى يضع حياته وثقته بين أيدي العاملين فيه، وهذه الثِّقة أمانة لا يجوز التفريط بها".. مؤكداً أن قيادة السلطة المحلية بمحافظة لحج، ستتعامل مع الحادثة بالجدِّيَّة التي تفرضها نتائجها الإنسانية المؤلمة.
وأردف قائلاً: "وجَّهنا باتخاذ الإجراءات القانونية اللَّازمة بحق المتسببين في الحادث، وإحالتهم إلى التحقيق، كما وجَّهنا بفحص شهادات العاملين الصحيين في المستشفى والتَّحقُّق من مؤهلاتهم ومدى قانونية مزاولتهم لمهامهم، حتى تتضح المسؤوليات، ويأخذ كل ذي صلة بالواقعة ما يستحقه من إجراءات وفقاً للقانون".
واستطرد المحافظ، في توجيهاته التنظيمية، موجِّهاً بحظر استخدام شبكات الإنترنت داخل المستشفى في غير ما تقتضيه طبيعة العمل، ومنع تعاطي القات، والسَّجائر، والشمَّة، والتُّنبُل، داخل المستشفى، باعتبار هذه الممارسات من السلوكيات التي لا مكان لها في بيئة صحية، يفترض أن يسودها التركيز والانضباط والالتزام المهني.. كما شدَّد على قوات حرس المنشآت بالمستشفى للقيام بواجبها كاملاً تجاه أي مظاهر تخل بالنظام العام، أو تنتقص من حرمة المرفق الصحي.
ولفت الحالمي، إلى تشكيل لجنة لدراسة أوضاع المستشفى بصورة شاملة، وتشخيص مكامن الخلل في جوانبه الطبية والإدارية والفنية والتنظيمية، ووضع المعالجات الجذرية الكفيلة بتصحيح الاختلالات القائم.. موضحاً أن الغاية لا تقتصر على التعامل مع تداعيات حادثة محدَّدة، وإنَّما تمتد إلى مراجعة واقع المرفق برمته، وإعادة ترتيب آليات العمل بما يصون حياة المرضى ويضمن انتظام الخدمة الصحية.
وقدَّم المحافظ، لمستشفى "ابن خلدون"، مبلغاً قدره 100 مليون ريال يمني، دعماً لموازنته التشغيلية، وتمكيناً لإدارته من الوفاء بالاحتياجات الضرورية المرتبطة باستمرار الخدمات الطبية، وتوفير المتطلَّبات الأساسية التي تقتضيها طبيعة العمل داخل المستشفى.
كما وجَّه الحالمي، بالتحقيق في الاختلالات والمخالفات كافة، في المستشفى، واتخاذ ما يلزم حيالها.. مؤكداً تحمُّل قيادة السلطة المحلية بمحافظة لحج، مسؤولية دعم المستشفى وتطويره، بما يفتح المجال أمام الارتقاء بمستوى خدماته الطبية والعلاجية، وتلبية احتياجات المواطنين.
وأضاف أن قيادة السلطة المحلية بالمحافظة، تنظر إلى مستشفى "ابن خلدون"، لكونه مرفقاً حكومياً محورياً، ترتبط خدماته اليومية بمصير المواطنين واحتياجاتهم الصحية، وأن إصلاح أوضاعه مسؤولية لا تحتمل التأجيل.. مشدِّداً على ضرورة ترسيخ الانضباط داخل أقسامه، ورفع مستوى الالتزام بالإجراءات الطبية المعتمدة، ومراجعة مكامن القصور التي قد تفضي إلى نتائج مؤلمة لا يمكن استدراكها.. مؤكداً أن سلامة الإنسان ستظل المعيار الأول في تقييم أداء المرافق الصحية بالمحافظة.
واختتم المحافظ الحالمي، نزوله، بزيارة منزل أسرة المتوفَّاة، بحضور مدير عام مكتب وزارة الصحة العامة والسكان بمحافظة لحج، حيث التقى والدها، إسماعيل فضل، وزوجها، محمَّد أكرم، وقدَّم إليهما تعازيه ومواساته الصادقة في هذا المصاب الجلل، إلى جانب مساعدة مالية للأسرة.. مؤكداً تكفُّل السلطة المحلية بمحافظة لحج، بمعالجة المولود الثاني للمتوفَّاة، الذي يتلقى الرعاية الطبية حالياً في المستشفى الأمريكي الحديث، بمدينة عدن، وتسفيره إلى الخارج لتلقي العلاج على نفقة المحافظة أيضاً إذا لم يحدث تقدُّم في حالته، وقال: "لن نترك هذه الأسرة وحدها أمام هذا الظرف القاسي، وسنتابع حالة الطفل، وسنوفِّر له ما نستطيع من فرص العلاج حتى يستعيد عافيته بإذن الله تعالى".
من جانبه، أوضح مدير عام مكتب وزارة الصحة العامة والسكان بمحافظة لحج، الدكتور خالد جابر، أن المكتب سيعمل على تنفيذ ومتابعة التوجيهات الصادرة عن المحافظ الحالمي، والتعاون الكامل مع اللجنة المكلفة بفحص أوضاع مستشفى " ابن خلدون"، والوقوف على ملابسات الحادثة، بما في ذلك مراجعة السِّجلَّات والإجراءات الطبية ذات الصلة.. مشيراً إلى أن الالتزام بالبروتوكولات المهنية، وضوابط نقل الدم، والتَّحقُّق من فصائل الدم قبل إعطائها للمرضى يمثِّل أساساً لا غنى عنه في العمل الصحي، وأن المكتب سيواكب الإجراءات القانونية والإدارية المترتِّبة على الواقعة، بما يضمن كشف الحقيقة، وصون حق المرضى في رعاية آمنة ومسؤولة.