آخر تحديث :الثلاثاء-29 سبتمبر 2026-08:47م

حين تصبح الكلمة خطرًا.. أين الحس الأمني في جبهاتنا وأماكن التحشيد؟

الثلاثاء - 29 سبتمبر 2026 - الساعة 08:07 م

د. غسان ناصر عبادي
بقلم: د. غسان ناصر عبادي
- ارشيف الكاتب

في الحروب، ليست كل الأخطاء ترتكب بالسلاح، فهناك أخطاء قد تبدأ بكلمة عابرة، أو مكالمة هاتفية، أو معلومة يعتقد أنها بسيطة، لكنها قد تتحول إلى خطر حقيقي على حياة المقاتلين.


بعد سماعي اليوم خبرًا مؤسفًا عن استهداف أحد معسكرات درع الوطن، تذكرت موقفًا عايشته شخصيًا قبل أيام، ولا يزال حاضرًا في ذاكرتي، لأنه يعكس جانبًا مهمًا من جوانب المعركة التي لا تقل أهمية عن مواجهة العدو في الميدان: الحس الأمني وحماية المعلومات.


كنت في إحدى المرات على متن باص «فوكسي» برفقة عدد من المواطنين، وأثناء الرحلة تلقى أحد الركاب اتصالًا هاتفيًا، وبدأ يتحدث بصوت مرتفع عن تحرك مجموعة من الأفراد واستعدادهم للتوجه إلى الجبهة، كما تحدث عن بعض التفاصيل المتعلقة بالتجمع والتنقل.


استوقفني الأمر، ونبهته إلى أن الحديث عن مثل هذه الأمور في مكان عام وأمام أشخاص لا يعرفهم قد يمثل خطرًا على زملائه، وأن المعلومات المتعلقة بتحركات الأفراد ومهامهم وأماكن تجمعهم ليست أحاديث عادية يمكن تداولها أمام الجميع.


لكنه لم يأخذ الأمر بجدية، وأكد أنه يعرف ما يفعل، وأنه قائد فصيلة ويدرك طبيعة عمله، قلت له حينها، إن كان ما تقوله مجرد تمويه فلا بأس، لكنه أوضح أن الأمر يتعلق بمجموعة حقيقية وبأفراد تقع مسؤوليته عليهم.


عندها قلت له بوضوح: هذا ليس مجرد حديث عابر.. هذه معلومات يجب أن تبقى في إطارها، لأن الخطأ فيها قد يدفع ثمنه آخرون.


لم يكن الرجل سيئ النية، ولم يكن يقصد الإضرار بزملائه، بل كان يتحدث بحسن نية وثقة، وهنا تكمن خطورة المسألة، فـالتهديد الأمني لا يأتي دائمًا من شخص يريد الخيانة، وإنما قد يبدأ أحيانًا من شخص لا يدرك قيمة المعلومة التي يمتلكها.


في الحرب المعلومة جزء من المعركة، نحن أمام عدو يبحث عن أي ثغرة يمكن أن يستفيد منها، ولذلك فإن الحفاظ على سرية المعلومات، والابتعاد عن تداول التفاصيل العسكرية في الأماكن العامة، والالتزام بالتعليمات الأمنية، كلها أمور لا تقل أهمية عن الشجاعة في الميدان.


المقاتل الشجاع لا يحمي نفسه وزملاءه بسلاحه فقط، وإنما يحميهم أيضًا بصمته عندما يكون الصمت واجبًا، وبوعيه عندما تكون المعلومة حساسة، وبانضباطه عندما يتطلب الموقف الانضباط.


ومن المؤسف أن البعض قد يتعامل مع الاتصالات والحديث عن التحركات والتجمعات باعتبارها أمورًا عادية، في حين أن ما يقال في لحظات الحرب قد تكون له نتائج لا يمكن التراجع عنها.


نحتاج إلى رفع مستوى الحس الأمني، إننا بحاجة إلى تعزيز برامج التوعية والتدريب المستمر للمقاتلين والقادة، وترسيخ مفهوم أن أمن المعلومة مسؤولية الجميع، وليس مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها.


كما ينبغي أن تكون هناك توعية مستمرة حول مخاطر الحديث عن المعلومات العسكرية في الأماكن العامة، وعدم مشاركة التفاصيل الحساسة عبر وسائل الاتصال أو مع أشخاص لا علاقة لهم بالمهمة.


ولا يعني ذلك أن يعيش المقاتل في حالة من الشك تجاه الجميع، وإنما يعني أن يعرف ماذا يقول، ولمن يقول، ومتى يقول، وأين يقول؟


إلى كل مقاتل يقف في الجبهة، وإلى كل قائد يتحمل مسؤولية رجال:

كونوا أكثر يقظة، لا تستهينوا بالمعلومة الصغيرة، لا تعتبروا الحديث العابر أمرًا بسيطًا، لا تجعلوا الحماس والانفعال سببًا في كشف ما يجب أن يبقى سريًا.


فالعدو لا يحتاج دائمًا إلى معلومة كبيرة، أحيانًا تكفيه أجزاء صغيرة من المعلومات يجمعها من مصادر مختلفة حتى تتشكل أمامه صورة كاملة.


إن حماية أرواح رجالنا مسؤولية تبدأ من حماية المعلومة، والوعي الأمني ليس خوفًا ولا وسواسًا، بل هو جزء من الشجاعة والانضباط العسكري، وفي زمن الحرب، قد تكون الكلمة التي لم تقلها.. سببًا في إنقاذ حياة إنسان.