في زمن أصبحت فيه المؤسسات الوطنية أمام تحديات اقتصادية وتشغيلية كبيرة، تبرز بعض التجارب التي تستحق التوقف أمامها، ليس من باب المجاملة أو المديح المجرد، وإنما بالنظر إلى ما راكمته من أعمال وتجارب ومشاريع وحضور في خدمة المجتمع والاقتصاد الوطني.
ومن بين هذه المؤسسات تأتي شركة المسيلة لاستكشاف وإنتاج البترول "بترومسيلة"، التي تحولت خلال سنوات قليلة إلى واحدة من أبرز المؤسسات الوطنية العاملة في قطاع النفط والطاقة في اليمن، وأصبحت جزءًا مهمًا من المشهد الاقتصادي والخدمي في حضرموت.
فمنذ تأسيسها في ديسمبر 2011، حملت بترومسيلة مسؤولية إدارة وتشغيل عدد من القطاعات النفطية، وتوسعت مهامها لتشمل مجالات مرتبطة بالطاقة والكهرباء والمشاريع التنموية والمسؤولية الاجتماعية. ووفق التعريف الرسمي للشركة، فهي تعمل في استكشاف وإنتاج النفط والغاز ومشروعات الطاقة، وتشغل قطاعات نفطية في حضرموت، كما تدير منشآت ميناء الشحر لتصدير النفط، وتشارك في إنتاج الكهرباء.
بترومسيلة.. تجربة وطنية أثبتت قدرة الكادر اليمني
أحد أهم الجوانب التي تستحق الإشارة في تجربة بترومسيلة هو اعتمادها على الكفاءات الوطنية وقدرتها على إدارة عمليات نفطية وفنية معقدة في ظروف استثنائية.
وقد أُسست الشركة لتتولى تشغيل القطاع 14 بعد انتهاء اتفاقية المشاركة مع المشغل السابق، ثم توسعت مسؤولياتها وأصبحت تعمل في عدد من القطاعات النفطية، الأمر الذي جعلها نموذجًا لتجربة الشركة الوطنية القادرة على تحمل مسؤوليات كبيرة في قطاع استراتيجي.
وفي تصريحات سابقة للمدير العام التنفيذي للشركة محمد أحمد بن سميط، أشار إلى أن بترومسيلة أضافت إلى خزينة الدولة قيمة تصدير أكثر من 174 مليون برميل من النفط الخام منذ تأسيسها وحتى أغسطس 2022، مع استثناء فترة توقف التصدير خلال عام 2015.
وهذه الأرقام، إلى جانب طبيعة المهام التي اضطلعت بها الشركة، تعكس حجم المسؤولية التي تحملتها المؤسسة في مرحلة كانت فيها البلاد تمر بظروف بالغة الصعوبة.
من النفط إلى الكهرباء.. محطة غازية تخدم وادي حضرموت
لم تتوقف قصة بترومسيلة عند إنتاج النفط وتصديره، بل امتدت إلى قطاع الطاقة الكهربائية، وهو المجال الذي يمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.
فقد أُسند إلى الشركة الإشراف على إنشاء محطة كهرباء وادي حضرموت الغازية بقدرة 75 ميجاوات، ودخلت المحطة الخدمة في عام 2018.
وتشير المعلومات المنشورة عن الشركة إلى أن المحطة تستفيد من الغاز الذي كان يُحرق في السابق، وتحول إلى مصدر لتوليد الكهرباء لصالح مدن وقرى وادي حضرموت ومناطق الامتياز. كما تتولى بترومسيلة تشغيل المحطة وصيانتها.
وهنا تظهر إحدى أهم صور الدور الذي لعبته الشركة؛ فالمؤسسة لم تعد مجرد جهة تنتج النفط، بل أصبحت طرفًا أساسيًا في منظومة الطاقة في حضرموت.
وفي يونيو 2024، أشاد وزير النفط والمعادن ومحافظ حضرموت بالدور الذي تقوم به بترومسيلة في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز البنية التحتية للطاقة في المحافظة، كما بحثا مع إدارة الشركة سبل تعزيز قدرة محطة كهرباء وادي حضرموت الغازية وزيادة الإنتاج للتخفيف من ساعات الانطفاء.
القيادة والكادر.. إدارة في ظروف استثنائية
الحديث عن المؤسسات لا ينفصل عن الحديث عن قياداتها وكوادرها، خصوصًا عندما تعمل المؤسسة في ظروف اقتصادية وفنية وأمنية معقدة.
وقد أثبتت قيادة بترومسيلة، ممثلة بالمدير العام التنفيذي محمد أحمد بن سميط، بحسب ما أوردته المصادر الرسمية، قدرة على مواصلة العمل والتعامل مع الملفات التشغيلية والفنية، إلى جانب توسيع حضور الشركة في مجالات الطاقة والخدمة المجتمعية.
وفي زيارة رسمية للشركة في فبراير 2025، أشاد عضو مجلس القيادة الرئاسي اللواء الركن فرج سالمين البحسني بدور بترومسيلة في دعم الاقتصاد الوطني، وبقيامها بتزويد مؤسسات الكهرباء والنفط والمرافق الحيوية في حضرموت بالوقود المدعوم، إلى جانب تشغيل وصيانة محطة كهرباء الوادي الغازية، كما أشاد بالكفاءات الوطنية التي تدير الشركة.
وهذه الإشادات الرسمية لا تأتي بمعزل عن طبيعة العمل الذي تقوم به الشركة، وإنما تعكس حجم المسؤوليات التي أصبحت بترومسيلة تتحملها في قطاع حيوي يمس الاقتصاد والطاقة والخدمات.
عندما تتحول المسؤولية الاجتماعية إلى عمل على الأرض
من الجوانب التي تستحق التوقف عندها أيضًا ملف المسؤولية الاجتماعية.
فالشركة لم تحصر نشاطها في نطاق العمليات النفطية، وإنما شاركت في عدد من المبادرات والمساهمات المجتمعية، خصوصًا في مناطق الامتياز والمناطق التي تعرضت لأزمات وكوارث.
ومن الأمثلة الحديثة على ذلك قيام بترومسيلة في يونيو 2026 باستكمال إعادة تأهيل وصيانة بئر لمياه الشرب في منطقة العليب بمديرية غيل بن يمين، شملت إصلاح المضخة الغاطسة وإضافة مواسير إلى عمق البئر، ليستفيد من المشروع أكثر من ستة آلاف نسمة بحسب موقع محافظة حضرموت.
واللافت أن هذا التدخل جاء في ظل ظروف صعبة تواجهها الشركة نتيجة توقف تصدير النفط وشح الموازنة التشغيلية، وهو ما يجعل استمرارها في تقديم مساهمات اجتماعية، وفق الإمكانيات المتاحة، أمرًا ذا دلالة على حضور مفهوم المسؤولية الاجتماعية في نشاطها.
حضور في مواجهة الأزمات والكوارث
خلال السنوات الماضية، برز اسم بترومسيلة كذلك في عدد من المواقف الإنسانية والمجتمعية.
فخلال جائحة كورونا، قدمت الشركة، وفق ما أوردته مصادر محلية، تجهيزات ومعدات طبية وأدوات حماية شخصية ومولدات كهربائية لدعم الجهات الصحية في حضرموت ومحافظات مجاورة، كما ساهمت في مواجهة آثار السيول التي شهدتها مديرية حجر.
وعقب إعصار "تيج" في عام 2023، سيرت الشركة قوافل مساعدات إلى المناطق المتضررة في حضرموت والمهرة، تضمنت أكثر من 1200 سلة غذائية بحسب التقرير المنشور عن مساهمات الشركة المجتمعية.
هذه المواقف تعطي صورة أخرى عن المؤسسة، وهي صورة الشركة التي لا تنظر إلى المجتمع المحيط بها باعتباره مجرد نطاق جغرافي لعملياتها، وإنما باعتباره شريكًا في الاستقرار والتنمية.
وحدة تكرير جديدة.. خطوة باتجاه توطين الطاقة
ومن المشاريع التي تعكس توجه بترومسيلة نحو تطوير قدراتها، مشروع وحدة تكرير زيت الوقود الثقيل "المازوت".
فقد أعلنت الشركة عن التشغيل المبدئي للوحدة وإنتاج كميات تجريبية، في خطوة تستهدف توفير وقود محلي يمكن الاستفادة منه في دعم محطات توليد الكهرباء.
وأشارت تقارير رسمية وإعلامية إلى أن التشغيل المبدئي للوحدة أتاح إنتاج كميات تجريبية بمواصفات عالية، مع طاقة إنتاجية مقدرة بنحو 10 آلاف برميل يوميًا وسعة تخزين تبلغ 50 ألف برميل.
ومثل هذه المشاريع تحمل أهمية تتجاوز حدود الشركة نفسها، لأنها ترتبط بمحاولة الاستفادة من الإمكانيات المحلية وتقليل الاعتماد على استيراد بعض أنواع الوقود، بما يمكن أن يخفف الضغط على الموارد المالية للدولة إذا ما استمرت المشاريع وتطورت وفق الخطط الموضوعة.
صيانة مستمرة واستجابة فنية
وفي سبتمبر 2026، أعلنت وزارة النفط والمعادن أن بترومسيلة أنهت أعمال الصيانة الدورية لمنشآت الغاز وأعادت تشغيل الحقول والمنشآت النفطية في القطاع 10.
كما أشادت وزارة النفط والكهرباء بالفرق الهندسية والفنية في محطة بترومسيلة عقب أعمال معالجة خلل فني وإعادة الجاهزية التشغيلية للمنظومة، في إطار جهود الحفاظ على استقرار واستدامة خدمات الطاقة.
وهنا تظهر أهمية الكادر الفني والهندسي الذي يعمل خلف هذه المؤسسة؛ فنجاح أي شركة نفطية لا يقاس فقط بما تنتجه، وإنما كذلك بقدرتها على تشغيل منشآتها وصيانتها والاستجابة للأعطال والتحديات الفنية في الوقت المناسب.
بترومسيلة والاقتصاد الوطني
على المستوى الوطني، تمثل بترومسيلة إحدى المؤسسات التي تحمل أهمية خاصة في قطاع النفط والغاز.
فالنفط ظل لسنوات أحد أهم مصادر الإيرادات والعملات الأجنبية بالنسبة لليمن، وبالتالي فإن استمرار المؤسسات الوطنية في إدارة وتشغيل الحقول والمنشآت النفطية يمثل أهمية اقتصادية تتجاوز حدود المحافظة.
ومنذ تأسيس الشركة، تحولت بترومسيلة إلى إحدى الأدوات الرئيسية للدولة في إدارة عدد من الأصول والقطاعات النفطية، وهو ما منحها خبرة تراكمية واسعة في التشغيل والإنتاج والتصدير والطاقة.
وبذلك، فإن الحديث عن بترومسيلة لا ينبغي أن يكون حديثًا عن شركة تعمل في حضرموت فقط، وإنما عن مؤسسة وطنية ذات امتداد اقتصادي على مستوى اليمن.
لماذا تستحق بترومسيلة الدعم؟
دعم بترومسيلة لا يعني أن المؤسسة فوق التقييم أو المراجعة، فكل مؤسسة عامة أو وطنية تحتاج إلى تطوير مستمر ومساءلة مؤسسية وشفافية في الأداء.
لكن الفرق كبير بين النقد الذي يهدف إلى الإصلاح وبين الخطاب الذي يؤدي إلى إضعاف الثقة بالمؤسسات الوطنية.
إن المؤسسات الكبرى تُبنى عبر سنوات من العمل والخبرة وتراكم الكفاءات والمشاريع، ومن الصعب تعويضها إذا تعرضت للاستهداف أو التسييس أو التشكيك غير المستند إلى معلومات.
ولهذا فإن مصلحة حضرموت واليمن تقتضي الحفاظ على المؤسسات الوطنية القادرة، وتشجيعها على التطوير، ومحاسبة أي تقصير عبر القنوات القانونية والمؤسسية، وفي الوقت نفسه إبراز الإنجازات وعدم تجاهلها.
كلمة إنصاف في حق بترومسيلة وقيادتها
قد تختلف الآراء حول أداء أي مؤسسة، وهذا أمر طبيعي، لكن الإنصاف يقتضي النظر إلى الصورة كاملة.
وبالنظر إلى ما أعلنته الجهات الرسمية والمصادر المختلفة، فإن سجل بترومسيلة يتضمن مساهمات في إنتاج النفط، ودعم خزينة الدولة، وتشغيل محطة كهرباء وادي حضرموت، والمشاركة في مشاريع الطاقة، وتوفير الوقود للمرافق الحيوية، وتنفيذ أعمال صيانة وتطوير، إلى جانب تدخلات في مجال المياه والمسؤولية الاجتماعية ومواجهة الأزمات والكوارث.
كما أن استمرار الشركة في تنفيذ أعمال فنية وتشغيلية في الظروف الحالية يؤكد أهمية الكوادر الوطنية التي تعمل داخلها، ويجعل الحفاظ على خبراتها وتطوير قدراتها مسؤولية تتجاوز الإدارة الحالية إلى مستقبل المؤسسة نفسها.
حضرموت تحتاج إلى مؤسساتها
في النهاية، فإن حضرموت لا تحتاج إلى إضعاف مؤسساتها، وإنما تحتاج إلى مؤسسات أكثر قوة وكفاءة وشفافية.
وتجربة بترومسيلة تقدم نموذجًا يستحق الدراسة والتقييم من زاوية ما حققته مؤسسة وطنية خلال سنوات مليئة بالتحديات.
لقد استطاعت الشركة أن تنتقل من إدارة عمليات إنتاج النفط إلى المشاركة في قطاع الكهرباء والطاقة، وأن تؤدي أدوارًا اجتماعية وإنسانية، وأن تحافظ على تشغيل منشآتها وتطوير مشاريعها، وأن تعتمد بدرجة كبيرة على الكفاءات الوطنية.
وهذه ليست نهاية الطريق، بل ينبغي أن تكون أساسًا لمرحلة جديدة من التطوير.
فالمطلوب اليوم هو أن تواصل بترومسيلة مسيرتها، وأن تستثمر في كوادرها، وتطور مشاريعها، وتوسع مساهمتها في الطاقة والتنمية، وتستمر في مسؤوليتها الاجتماعية، بما يخدم حضرموت واليمن.
بترومسيلة ليست مجرد اسم في قطاع النفط؛ إنها تجربة وطنية تستحق أن تُقرأ من خلال ما قدمته، وما أنجزته، وما يمكن أن تقدمه في المستقبل.
وحين تكون مصلحة حضرموت واليمن هي الهدف، فإن دعم المؤسسات الوطنية وتطويرها والحفاظ على كوادرها وخبراتها يصبح مسؤولية مشتركة.
بترومسيلة.. سنوات من العمل، وخبرة وطنية، وحضور اقتصادي وتنموي، ومسؤولية تتطلع إلى المستقبل.