في بلدةٍ تُسمّى السعيدة، لم يعد الحزن ينتظر دوره.
كلما همّ الناس بدفن فقيد، حملت الريح خبرًا جديدًا، وكلما ظنّت أمٌّ أن باب الخوف قد أُغلق، سمعت وقع خطواته من جديد. صارت الأمهات يحفظن أسماء المستشفيات كما يحفظن أسماء أبنائهن، وتعلّم الآباء كيف يُخفون قلقهم كلما خرج أبناؤهم من البيوت.
لم يعد أحدٌ يتذكر لماذا سُمّيت البلدة بالسعيدة، لكن الجميع كانوا يتمنّون أن تستعيد يومًا شيئًا من اسمها.
في أحد أزقتها، كان شيخٌ يصنع المفاتيح. احتفظ في درجٍ خشبي بمفتاحٍ قديم لا يعرف لأي بابٍ يعود. وكلما سأله أحدٌ عنه، ابتسم وقال: هذا مفتاح الدولة.
كان الناس يبتسمون ويمضون؛ فلديهم من الهموم ما يجعلهم يؤجلون البحث عن بابٍ لا يعرفون مكانه.
وذات مساء، دخل شابٌ إلى الدكان، وقال: هل تستطيع أن تصنع لي مفتاحًا لبابٍ لا يدخل منه الموت كل يوم؟
توقفت يد الشيخ، ونظر إليه طويلًا. ثم قال: أستطيع أن أصنع مفتاحًا، لكن الأمان لا تصنعه المفاتيح وحدها، ما دام بعض الناس يظنون أن البلدة ملكٌ لهم، وأن من خالفهم لا يستحق أن يعيش فيها بكرامة.
سأله الشاب: ومن أوصلنا إلى هذا الحال؟
وضع الشيخ أدواته جانبًا، وقال: هناك من اختار السلاح ليفرض إرادته، وهناك من تولّى مسؤولية حماية الناس، ثم أضاع فرصًا في الخصومات والمصالح الضيقة. وهناك من امتلك النفوذ والقدرة على المساعدة، لكنه لم ينجح في تحويل الجهود والتضحيات إلى دولةٍ تحمي الناس كما ينبغي. لكن المسؤوليات ليست متساوية؛ فمن أشعل النار مسؤول عن إشعالها، ومن قصّر في إطفائها يُسأل عن تقصيره.
ثم أضاف، وهو يعيد المفتاح القديم إلى الطاولة: انشغلنا طويلًا بمن يملك البلاد، ونسينا أن نسأل: لمن ينبغي أن تكون؟
خرج الشاب والمفتاح في يده، حتى بلغ ساحةً تتراكم على جدارها صور الراحلين؛ جنديٌّ، وطالبٌ، وعاملٌ، وأبٌ لم يعد، وشابٌّ خرج ليبدأ حياته، فعاد اسمه خبرًا في نشرة المساء.
تأمل الوجوه، وشعر أن الحرب لا تسرق الأرواح وحدها، بل تسرق من الأحياء قدرتهم على الدهشة؛ حتى صار الموت خبرًا يتناقله الناس، ثم يعودون إلى يومهم كأن شيئًا لم يحدث، لا لأنهم لم يحزنوا، بل لأن الحزن لم يعد يمنحهم وقتًا لالتقاط أنفاسهم.
واصل طريقه حتى بلغ بابًا قديمًا في آخر الزقاق. أدخل المفتاح في القفل، لكنه لم يدر. دفع الباب بكتفه، فلم يتحرك. وحين حاول مرةً أخرى، سمع بكاء طفلٍ من الداخل.
صاح: هل من أحدٍ هناك؟
جاءه صوتٌ صغير: هل انتهى القتال؟ هل أستطيع أن أخرج؟
تجمّد الشاب. لم يكن لديه جوابٌ يطمئن الطفل، ولا وعدٌ يضمن له غدًا آمنًا.
وصل الشيخ، ووضع يده إلى جانب يد الشاب، ودفعا الباب معًا. خرج رجلٌ من البيت المقابل، ثم جاءت امرأةٌ وآخرون. لم يسأل أحدٌ عمّن يملك الباب، ولا إلى أيّ طرفٍ ينتمي من خلفه؛ أمسك كلٌّ منهم بجانب، وبدأوا يدفعون.
تحرّك الباب أخيرًا، وظهر طفلٌ شاحب الوجه. مدّ الشاب يده إليه، فخرج وارتمى في حضن المرأة التي أسرعت لتضمّه.
رفع الطفل عينيه إلى الواقفين وسأل: هل سأخاف هنا أيضًا؟
ساد الصمت. لم يكن السؤال بحاجةٍ إلى إجابةٍ جميلة، بل إلى عالمٍ يستطيع أن يفي بوعد الأمان.
نظر الشيخ إلى المفتاح في يد الشاب، وقال بصوتٍ خافت: أرأيت؟ لم يفتح البابَ المفتاحُ وحده.
في صباح اليوم التالي، علّق الشيخ فوق دكانه لوحةً صغيرة كتب عليها: "لا تسألوا مَن يملك المفتاح؛ اسألوا مَن لا يزال ينتظر خلف الباب".
ومضى الشاب في شوارع السعيدة، فرأى أبوابًا أخرى موصدة، وبيوتًا أنهكها الخوف، وأمهاتٍ ينتظرن، وأطفالًا لم يطلبوا من الدنيا سوى حياةٍ آمنة. وأيضاً كان بعض الناس يتجمعون أمام الأبواب الموصدة، لا ليتنازعوا على مفاتيحها، بل ليفتحوها معًا.
عندها فهم أن الدولة ليست منصبًا يتنازع الناس عليه، ولا شعارًا يُرفع فوق رؤوسهم؛ إنها أمانٌ لا يُمنح مكافأةً على الولاء، وعدلٌ لا يتغير بتغير الانتماء، وكرامةٌ لا يحتاج الإنسان إلى التوسل من أجلها.
لم تنتهِ الحرب، ولم يعد الغائبون، ولم تستعد السعيدة سعادتها في يومٍ واحد. لكن شيئًا صغيرًا تغيّر: صار الناس يسألون عمّن يحتاج إلى يدٍ تساعده، بدلًا من الاكتفاء بالسؤال عمّن يتحمل اللوم.
وربما كانت تلك أول خطوةٍ في طريق العودة إلى اسم البلدة.
رحم الله من فقدناهم في السعيدة، وجبر قلوب أسرهم، وشفى الجرحى، وحفظ البلد وأهله.
فالأوطان لا تستحق أسماءها بما تحمله من ألقاب، بل بما تمنحه لأبنائها من أمان؛ ولا تصبح السعيدة سعيدةً حقًا حتى يجد كل طفلٍ فيها مكانًا لا يخاف فيه من الغد.