آخر تحديث :الإثنين-12 أكتوبر 2026-01:18م

عندما تُذبح الضمائر على مسالخ المصالح الشخصية

الإثنين - 12 أكتوبر 2026 - الساعة 01:10 م

د. سعيد الحرباجي
بقلم: د. سعيد الحرباجي
- ارشيف الكاتب

يُحكى أن رجلًا دفن كلبه في مقابر المسلمين، فلما استنكر الناس فعلته، استدعاه القاضي وسأله عن سر صنيعه فقال:

«سيدي القاضي : لقد أوصاني الكلب أن أدفنه هنا».

فغضب القاضي وكاد أن يعاقبه..

لكن الرجل همس في أذنه: «فقال: وأوصاني أيضاً أن أعطي القاضي ألف دينار!».


وما إن سمع القاضي بذكر الدنانير حتى تبدّل غضبه رضا، وانقلب اعتراضه قبولًا، ثم لم يكتفِ بتغيير موقفه، بل أعمل فطنته في اختراع مبرر شرعي لصنيعه فقال: «يا له من كلب عظيم! لقد تأملت حاله... فوجدته من نسل كلاب أهل الكهف!».


قد تكون الحكاية من نوادر التراث، لكنها في حقيقتها مرآة ساخرة لواقع يتكرر في كل عصر...

وذلك حين تُذبح المبادئ في سوق المصالح، وتُستأجر العقول لتبرير ما كانت ترفضه بالأمس، ويصبح المال قادرًا على تغيير المواقف، ثم إعادة كتابة القناعات بما يتناسب مع حجم الصفقة!!!


المشكلة ليست في أن يغيّر الإنسان رأيه، فمراجعة المواقف حين تتكشف الحقائق فضيلة...

وإنما الكارثة أن يغيّر ضميره حين تتغير الأسعار.

فثمة فرق جوهري بين من يتراجع لأنه اكتشف خطأه، ومن ينقلب لأنه اكتشف أن في الاتجاه الآخر منفعة أكبر..

الأول يمارس فضيلة المراجعة، والثاني يمارس تجارة المواقف


وفي واقعنا السياسي الملبد بقيوم المصالح ...

تتجلى هذه المفارقة بأشكال شتى :

أناس يرفعون شعارات المبادئ ما دامت تحقق لهم حضورًا أو نفوذًا، ويتحدثون عن الوطنية حين تكون طريقًا إلى المنصب، ويتغنون بالنزاهة ما دامت أبواب المكاسب مغلقة.


فإذا فُتحت خزائن المصالح، تبدلت اللغة، وتغيرت التحالفات، وأُعيد ترتيب الخصومات، وأصبح من كان بالأمس خائنًا حليفًا، ومن كان فاسدًا رجل دولة، ومن كانت مواقفه موضع إدانة بالأمس صاحبَ رؤية وحكمة اليوم!!!


ويا لها من معجزة سياسية حين تتحول الصفقة إلى قناعة، والرشوة إلى وجهة نظر، والانتهازية إلى حكمة، والتناقض إلى مرونة...

بمجرد أن تنتقل بعض الأموال من يد إلى أخرى!!!


عندئذ لا يعود السؤال: هل هذا الموقف حق أم باطل؟ بل يصبح: كم يبلغ ثمنه؟ ولا يعود صاحب المبدأ هو من يصمد أمام الإغراء، بل من يجيد تسويق انقلابه بأقل قدر من الحرج!!!


والأخطر من بيع المواقف أن يتحول بعض المثقفين والإعلاميين وأصحاب المنابر إلى مصانع لإنتاج المبررات...

يكسون المصالح الشخصية ثوب المصلحة العامة، ويمنحون الانتهازية لغةً أنيقة، ويقدمون التراجع عن الثوابت باعتباره قراءة جديدة للواقع.


وهكذا لا يُكتفى ببيع الضمير، بل يُراد إقناع المجتمع بأن الصفقة حكمة، وأن الخيانة وجهة نظر، وأن كل شيء قابل للتبرير متى وُجد من يدفع الثمن ومن يتولى الدفاع عن البائع!!!


إن الأوطان لا تنهض بكثرة المتحدثين باسمها، وإنما بصدق الذين يتحملون كلفة الانحياز إليها. ولا تُقاس قيمة الرجال بما يرفعونه من شعارات، بل بما يثبتون عليه حين تتعارض المبادئ مع المنافع، وحين يصبح الموقف الصحيح أكثر كلفة من الموقف المربح.


أما أولئك الذين يبدّلون مواقفهم كلما تبدلت موائد المصالح، ثم يستدعون البلاغة لتجميل انقلابهم، فسيظلون محتاجين إلى قاضٍ من طراز صاحب الحكاية...

يمنحهم شهادة حسن سيرة مقابل ألف دينار، ويكتشف فجأة أن كلاب المصالح من سلالة أهل الكهف!!!!


وما أكثر الكلاب التي قد تنال في سوق المصالح أنسابًا رفيعة....

لكن المأساة الحقيقية ليست في نسب الكلب...

بل في قاضٍ يعرف الحقيقة، ثم يبيع حكمه، ويطلب من الناس أن يصدقوا الحكاية!!!