نحن اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، وفي لحظات كهذه لا ينبغي أن تضيع البوصلة بين الخلافات السياسية والحسابات الضيقة، لأن الخطر الذي يواجه الدين والوطن لم يعد مجرد خلاف داخلي أو صراع على النفوذ، بل أصبح مرتبطًا بالعقيدة وبأمن الدولة واستقرار المجتمع ومصالح المنطقة وأمن أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
إن مليشيات الحوثي الرافضية تمثل اليوم خطرًا مباشرًا على ديننا الإسلامي الحنيف أولاً ثم على الوطن وعلى أمن المواطنين، كما أن نشاطها العسكري امتد إلى تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، فمضيق باب المندب ليس ممرًا يمنيًا محليًا فحسب، وإنما أحد الممرات البحرية الحيوية التي ترتبط بحركة التجارة العالمية.
الخطر الحوثي ليس قضية منطقة دون أخرى، ولهذا فإن من الخطأ النظر إلى المواجهة مع مليشيات الحوثي باعتبارها قضية تخص محافظة أو منطقة أو فئة اجتماعية بعينها، فالخطر عندما يتعلق بالعقيدة وبمستقبل الدولة وأمن المجتمع وسيادة الوطن وممراته البحرية، فإنه يصبح خطرًا على أبناء الوطن في الشمال والجنوب.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن استخدام القوة لفرض الأمر الواقع لا ينتج دولة مستقرة، وإنما يوسع دائرة الصراع ويضاعف المعاناة الإنسانية والاقتصادية، ومن هنا نوجه رسالتنا إلى الأكاديميين والمثقفين والسياسيين والإعلاميين والشخصيات الاجتماعية وكل أبناء الوطن:
كونوا على قدر المسؤولية في هذه المرحلة.
لا تجعلوا الخلافات السياسية سببًا في إضعاف مؤسسات الدولة، ولا تسمحوا للشائعات والمعلومات غير الموثوقة بأن تهدم الثقة بالمؤسسات والقوات التي تتحمل مسؤولية المواجهة على الأرض، وفي الوقت نفسه، فإن دعم المقاتلين لا يعني إلغاء النقد المسؤول أو تعطيل صوت العقل، وإنما يعني أن يكون النقد مبنيًا على المعلومات، وأن يكون الإعلام عاملًا في رفع الوعي لا في نشر الفوضى والشائعات.
إن قوات العمالقة الجنوبية، ودرع الوطن، والمنطقة العسكرية الرابعة، ومختلف التشكيلات والقوات الوطنية التي تقاتل الحوثي في الجبهات تتحمل أعباء كبيرة في ظروف صعبة، وتواجه مخاطر حقيقية في سبيل حماية الوطن ومواجهة التهديدات العسكرية، ومن واجب المجتمع أن يساند أبناءه بالوسائل المشروعة، وأن يقدم لهم ما يستطيع من دعم مادي وإنساني ومعنوي، وأن يرفع معنوياتهم، وأن يساند أسر الشهداء والجرحى، وأن يكون الإعلام سندًا للحقيقة لا منصة للشائعات والإرجافات.
نحن لا نحتاج اليوم إلى مزيد من الانقسام، ولا إلى تخوين بعضنا البعض، ولا إلى تحويل كل اختلاف سياسي إلى معركة جديدة، نحتاج إلى مشروع وطني جامع يحفظ الدين والوطن، ويصون مؤسسات الدولة، ويحمي المواطنين، ويواجه العنف المسلح، ويمنع تحويل البلاد إلى ساحة لصراعات إقليمية ودولية.
إن مواجهة الخطر الحوثي لا تعني الوقوف ضد أبناء اليمن، بل تعني التمييز بين اليمني المواطن الذي له حقوقه وكرامته، وبين المشروع المسلح الذي يستخدم القوة لفرض إرادته ويهدد الدين والدولة والمجتمع والممرات البحرية، ولذلك فإن المرحلة تتطلب وعيًا يتجاوز المناطقية والحزبية والمصالح الشخصية، فالوطن أكبر من الجميع، وأمنه مسؤولية الجميع، ومستقبله لا ينبغي أن يكون رهينة للسلاح أو الفوضى أو المشاريع العابرة للحدود، نحن أمام مفترق طرق، فإما أن ننتصر لديننا ولمنطق الدولة والقانون والمؤسسات والسلام، وإما أن نترك المليشيات والانقسام والفوضى والسلاح يحددون مستقبل الوطن، والخيار الوطني الحقيقي يبدأ من كلمة مسؤولة، وإعلام صادق، ومجتمع محافظ على دينه ومتماسك، ومؤسسات دولة قادرة على حماية مواطنيها.