آخر تحديث :الأربعاء-23 سبتمبر 2026-10:39م

سبتمبر الذي لا يشيخ: ثورة الأجداد وجهاد الأحفاد

الأربعاء - 23 سبتمبر 2026 - الساعة 10:15 م

حسن الكنزلي
بقلم: حسن الكنزلي
- ارشيف الكاتب

حين يذكر اليمني سبتمبر، لا يذكر تاريخا في روزنامة؛ بل يذكر نفسه. يذكر اللحظة التي استرد فيها وجهه من مرآة مكسورة، وقام من بين الركام ليقول: أنا إنسان، لست عبدا لسلالة، ولا وقفا لبيت.

لم تكن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 مجرد دبابات تحركت في صنعاء، ولا بيانا قرأه المذيع في الإذاعة؛ بل كانت لحظة تصحيح عقيدة؛ فقد جاء الإسلام ليقول كلمة واحدة حاسمة: الحكم كله لله؛ لا وكالة فيه لأحد على السماء. ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾. ثم جاء الفكر الإمامي لينقض هذه القاعدة من أصلها، ويخترع حقا إلهيا محصورا في بطنين، وطاعة مفروضة كأنها دين. هذا هو الشرك في ثوب الولاية، والطغيان في ثوب الاصطفاء.

ولهذا لم يكن سبتمبر انقلابا يزول بزوال رجاله؛ بل كان هدما لصنم، وإعادة للأمر إلى أصله: شورى بين الناس.


أجمل ما في سبتمبر أنه كان أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر في أبهى صوره؛ فأجدادنا لم يقرأوا عن الظلم في الكتب؛ بل رأوه يمشي في الأسواق؛ رأوا سجون الرعيب تمتلئ بالأحرار، والسياف يقطع الرؤوس في في الميادين، والجباة ينهبون قوت الفلاح باسم الخُمس؛ فأي منكر أكبر من أن يقف رجل أمام شعب كامل ليقول: أنا سيد وأنتم عبيد؟!

فقاموا لله. لأن ديننا الذي جاء بالمساواة لا يقبل هذه القسمة. ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وفي خطبة الوداع يعلنها النبي للبشرية كلها: لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى. ولأن ديننا دين شورى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾؛ جاء سبتمبر ليسترد الشورى والعدل والكرامة في ضربة واحدة.


ما الذي كشفه سبتمبر؟ كشف ستر ألف عام من الباطل؛ منذ أن دخل يحيى بن الحسين الرسي حرضة غازيا لا داعيا عام 284 للهجرة، واليمن يدور في حلقة دم لا تنتهي؛ فما قام إمام إلا على جماجم اليمنيين.

قتلوا علماءنا كنشوان الحميري، وسحلوا أحرارنا، وهدموا قرى بكاملها، وزرعوا في عقول الناس خرافة قاتلة، لخصها أحد شعرائهم بلا خجل:

"نحن بنو المصطفى لا فخر يكبرنا .. والناس كلهم رعايا لنا تبع"

هذه الجملة وحدها تختصر ثالوث الجهل والفقر والمرض الذي لم يعرف اليمن مثله إلا في ظلهم؛ فجاء سبتمبر ليقول: كفى! وليكتب نهاية الأسطورة.


وفي 21 سبتمبر 2014، عادت الإمامة نفسها؛ تغير الاسم والثوب، وبقي الجوهر. عادت بعمامة الحوثي السوداء، ترفع شعار المظلومية وتسمي نفسها "المسيرة القرآنية"؛ فإذا هي مسيرة الشيطان!

فعلوا ما فعله الأجداد بحذافيره: فجروا المساجد ودور القرآن، ونهبوا الرواتب، وفجروا البيوت على ساكنيها، وزرعوا الأرض ألغاما، وأعادوا سجون الرعب، وأعادوا اليمن إلى ذلك الثالوث البغيض نفسه.

لكن الله أبى إلا أن يعيد لنا سبتمبر في ثوب جديد؛ ثوب أبيض ناصع، هو ثوب الجيش الوطني والأمن والمقاومة الشعبية. واليوم تتضح الصورة أكثر من أي وقت مضى؛ إنها ليست معركة سياسية؛ بل امتداد لمعركة سبتمبر الأولى؛ ثورة فجرها الأجداد ضد الأوغاد، ويجددها الأحفاد اليوم، ولن تنتهي إلا بسقوط الكهنوت من جديد.


افهموا طبيعة هذه المعركة؛ فهي ليست على كرسي ولا على راتب؛ هي معركة مقدسة ذات بعدين لا ينفصلان:

– بعد ديني؛ لأن هؤلاء زيفوا دين الله، حولوا الإسلام من رسالة عالمية إلى بطاقة نسب، والجنة إلى صك يوزعونه، والدين إلى خرافة. ونحن نقاتل اليوم لتحرير الدين نفسه من هذا التزييف، وحماية المساجد والمقدسات التي قال الله فيها: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾.

– وبعد وطني؛ لاستعادة دولتنا وجمهوريتنا وكرامتنا، التي داسها الإمام بقدمه. ومن يقاتل دون دينه ووطنه فهو شهيد؛ فجهاد الأحفاد اليوم هو ذاته جهاد الأجداد بالأمس.


وما انتصر أجدادنا؛ إلا حين اعتصموا بالله قبل أن يعتصموا بسلاحهم. واليوم لن ننتصر؛ إلا إذا عدنا إلى الله بقلوبنا؛ قبل بنادقنا؛ فأنتم لستم وحدكم في المتارس؛ الله معكم يسمع ويرى.

ثم يأتي الإعداد والطاعة؛ فما وصلت إليه القوات المسلحة اليوم من احترافية في الرماية والاقتحام والعمليات النوعية لم يأت صدفة؛ بل هو ثمرة سهر وتدريب طويل. وهذا أمر إلهي: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾.

والطاعة للقيادة العسكرية والانضباط ليست ذلا؛ بل هي عبادة وفريضة النصر؛ فلا جيش بلا سمع وطاعة.


وأبشروا.. فإن النصر قادم؛ ألم تروا مطارح نخلا؟ كانت خياما قليلة، ورجالا قليلين، بسلاح خفيف. قال المرجفون: سينتهون غدا؛ فإذا بهم يبقون ويمتدون ويصبحون جيشاً.

تلك هي سنة الله: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. نخلا كانت النواة والدليل على أن الحق هو الذي يمكث، أما زبد الحوثي فسيذهب جفاء. واليوم قواتنا على مقربة من صنعاء، وما النصر إلا صبر ساعة، وإن غداً لناظره قريب.

لقد انكشفت اللعبة تماما. قوم يرفعون شعار نصرة غزة، ويملأون الدنيا صراخا بالموت لأمريكا وإسرائيل، ثم يوجهون صواريخهم ومسيراتهم إلى مكة المكرمة؛ إلى البيت الحرام الذي جعله الله أمنا!

أي نصرة هذه التي تستهدف قبلة المسلمين؟! ومن استهدف مكة؛ فقد حارب الله، وهذا ما يحتم علينا في اليمن والسعودية أن نقف صفا واحدا، فالمصير واحد، والعدو واحد، والقبلة واحدة.


ولن يستقيم حال اليمن ببندقية وحدها؛ لا بد من قانون يحمي الجمهورية من عودة السلالة إلى الأبد؛ فلا يمكن أن نحرر الأرض ثم نترك من يقول لأبنائنا في المدرسة: أنا ابن رسول الله وأنتم عبيد. هذه ليست وجهة نظر؛ هذه جريمة تهدد النظام الجمهوري والسلم الاجتماعي؛ فلا بد من تشريع يجرم الأفكار العنصرية السلالية.

فديننا دين أخوة، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، وقد قال النبي عن العصبية: "دعوها فإنها منتنة"؛ فكيف بمن ينادي يا للبطنين ويا للسلالة؟ سبتمبر كان مكواة لأمراض الفكر الحوثي، ولا علاج لها إلا باقتلاع جذورها الفكرية بالقانون.


يا أحفاد الأحرار! هذه مرحلة لا يعذر فيها أحد، وواجباتها خمسة واضحة:

أولا: الجاهزية والنفير العام؛ فكونوا مستعدين في كل لحظة، مرابطين بقلوبكم وسلاحكم.

ثانيا: التحريض على القتال؛ بالكلمة والخطبة والمنشور والقصيدة،؛ فالكلمة رصاصة.

ثالثا: رفع الحس الأمني؛ تحسسوا كل مشبوه وكل خلية نائمة، فالمعركة أمنية كما هي عسكرية.

رابعا: إلجام المرجفين؛ أولئك الذين يثبطون الناس ويقولون لا فائدة؛ فلا مكان لهم بيننا اليوم.

خامسا: توحيد الصف؛ فانبذوا كل العصبيات الجاهلية؛ مناطقية كانت أو حزبية أو طائفية، فعدونا واحد، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.


سبتمبر لم يأخذ حقه من التبيين بعد. تتغير الوجوه وتتبدل السنوات، وتبقى ثورة السادس والعشرين من سبتمبر حية في ذاكرة اليمنيين، ليست مجرد ذكرى؛ بل وطن كامل، وجمهورية قائمة، وحلم لا يموت.