هل يمكن لجماعة ترفع شعار "الله أكبر" أن تقصف بيت الله الحرام؟ الإجابة ليست في التنديد؛ بل في فهم البنية العقدية التي تجعل هذا الفعل منطقيًا في سياقها الخاص.
في اللحظة التي تُقصف فيها مكة، لا يسأل المرء "كيف حدث هذا؟" بقدر ما يسأل: "ما الذي يجعل هذا ممكنا في عقل فاعله؟" فالفعل الذي يبدو شذوذا مطلقًا بالنسبة لملايين المسلمين؛ قد يكون نتيجة طبيعية لمنظومة فكرية مغلقة، تنتج منطقا خاصا بها، وتعيد تعريف المقدس والمدنس، والحلال والحرام، والصديق والعدو، بما يتوافق مع بنيتها الداخلية لا مع إجماع الأمة.
الحركة الحوثية ليست، كما قد يُتصور في الخطاب الإعلامي السريع، مجرد مليشيا قبلية تحمل السلاح ضد الدولة. هي أبعد من ذلك: مشروع ديني-سياسي مسلح، تأسس عام 1992 على يد بدر الدين الحوثي، ويستند فكريا إلى مذهب جارودي مغلق، قاعدته العقدية الكبرى ما يمكن تسميته "نظرية الاصطفاء الإلهي". وهذه النظرية ليست تفصيلا هامشيا في خطاب الجماعة؛ بل هي المفتاح الذي يفسر كل شيء: لماذا تعتبر نفسها وحدها على حق؟ لماذا ترى كل مخالف خارج دائرة الإيمان؟ لماذا تحوّل الصراع السياسي إلى حرب وجودية؟
في الفقه السياسي السني، شرعية الحاكم مبنية على الشورى والبيعة، أي على عقد أرضي بين الحاكم والمحكوم، قابل للنقاش والمراجعة والتصحيح. أما في البنية الحوثية، فقد نُقلت الشرعية من هذا المجال الأرضي إلى مجال غيبي مزعوم: الله هو من يصطفي الحاكم، والاصطفاء محصور في أهل البيت إلى قيام الساعة. هذا النقل ليس ترفا فكريا؛ بل هو انقلاب كامل على فكرة السياسة ذاتها. فإذا كانت الشرعية إلهية؛ فمن حق القائد أن يطالب بطاعة مطلقة، ومن واجب الأمة أن تسلّم تسليمًا أعمى، ومن خرج على هذا التسليم فقد خرج على الله ذاته.
هنا يتكشف البعد الأول للمشكلة: الدين لم يعد مرجعا أخلاقيا يضبط السياسة؛ بل أصبح أداة لتقديس السياسة. والنتيجة أن المعارضة السياسية تُعاد صياغتها بوصفها كفرا، لا خلافا في الرأي. ومن هنا، يصبح القتل والسجن والتعذيب "دفعا لصيال المفسدين"، وتهجير المخالفين "تطهيرا للأرض من أعداء الله"، وتفجير المساجد ودور القرآن "إزالة لمنابر الضلال". هذه ليست مبالغات خطابية؛ بل هي المنطق الذي تنتجه البنية العقدية عندما تُغلق على نفسها.
لكل منظومة مغلقة آلية تحمي نفسها من النقد. وفي الحالة الحوثية، هذه الآلية تتجسد في الألقاب: "قرين القرآن"، "القرآن الناطق"، "علم الهدى"، "المصطفى للحكم". هذه ليست ألقابا للتعظيم المجاني؛ بل هي جسور تعبر فوق النقد: فمن ينتقد القائد لا ينتقد شخصا؛ بل ينازع في حق إلهي. وهنا يتحول القائد من مفسر للنص إلى تجسيد حي له، ومن مرجعية قابلة للمراجعة إلى مرجعية مطلقة لا تُسأل.
في هذا السياق، يمكن فهم "قسم الولاية" الذي يردده المنتسبون للجماعة: "اللهم إنا نتولاك ونتولى رسولك، ونتولى من أمرتنا بتوليه سيدي ومولاي عبد الملك بن بدر الدين الحوثي". هذا النص ليس مجرد قسم سياسي؛ بل هو إعلان عقدي يربط بين الإيمان بالله وطاعة قائد بشري ربطا وجوديا. ومن يرفض هذا القسم لا يُعد معارضا سياسيا؛ بل خارجا عن دائرة الإيمان نفسه. وهكذا تُغلق الدائرة: من لا يؤمن بولايتهم كافر، والكافر دمه وماله وعرضه مباح.
التكفير ليس شعارا خطابيا؛ بل هو منظومة قانونية كاملة. عندما تُصنّف جماعة كل مخالفها بأنهم "خارجون عن حكم الله"؛ فإنها تمنح نفسها حق الحياة والموت عليهم. وهذا ما فعله الحوثيون عمليا: قتل، سجن، تعذيب، تهجير، استيلاء على أموال، خُمس بالقوة، سيطرة على التعليم والخطاب الديني؛ لكن الأمر لا يتوقف عند حدود الأرض اليمنية؛ بل يتعداها، لأن المنطق ذاته يفرض على الجماعة أن تنظر إلى كل أرض لا تقر بولايتها بوصفها "دار حرب". وهنا يصبح الصراع ليس نزاعا سياسيا على السلطة؛ بل حربا وجودية صفرية لا تقبل الحلول الوسط.
في هذا الإطار، يصبح قصف مكة ليس شذوذا عن المنظومة؛ بل تجليا منطقيا لها. فمكة، في نظر هذه المنظومة، ليست مقدسة لذاتها؛ بل هي مقدسة ما دامت تحت ولاية من تعتبره شرعيًا. أما إذا كانت تحت سلطان مخالف، فإنها تنتقل من خانة المقدس إلى خانة دار الحرب. وهكذا، تنقلب الآية التي جعلت مكة آمنا لمن دخلها إلى مجرد نص يُؤول أو يُعطل؛ لأن المنظومة العقدية المغلقة تقدم على النص، لا العكس.
السؤال الذي يفرض نفسه ليس "هل يمكن احتواء الحوثيين؟" فالجواب بديهي بالنفي؛ لأن المنظومة التي تصنّف كل مخالفها بأنهم كفار خارجون عن الإيمان لا يمكنها أن تقبل بحل سياسي وسط إلا إذا كان هذا الحل استسلاما كاملا. السؤال الحقيقي: ما الثمن الذي سيدفعه اليمن والمنطقة إذا استمر هذا المسار؟ الجواب ليس في البيانات والخطابات؛ بل في الخرائط والدماء والمقدسات. فإذا كانت مكة -وهي البيت الحرام الذي حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض- قد صارت هدفًا في عقل هذه المنظومة؛ فما الذي يمنع أن تكون المدينة المنورة، أو القدس، أو أي بقعة مقدسة أخرى، الهدف التالي؟
في النهاية، هذه ليست معركة ضد مليشيا مسلحة فقط؛ بل ضد مشروع فكري يريد إعادة رسم خرائط المقدس والمدنس في العالم الإسلامي بأسره. والمواجهة معه؛ بكل ما تتطلبه من صبر وتضحيات، هي الطريق الوحيد لحماية ما تبقى من معنى مشترك للأمة: معنى يجعل مكة محرمة على القتال، لا لأنها تحت سلطة هذا الطرف أو ذاك؛ بل لأنها بيت الله، والبيت لا يُقصف، حتى لو اختلف أهله على كل شيء آخر.