في توقيت تتصاعد فيه أسعار الغذاء وتتآكل فيه العملة، نقلت الحكومة ملف الزراعة من هامش الاهتمام إلى قلب الأجندة. لقاء وزير الزراعة والري والثروة السمكية اللواء الركن سالم السقطري مع مساعد المشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن المهندس حسن العطاس، يوم أمس الأول في الرياض، لم يكن بروتوكولياً، بل إعلاناً أن ملف "الأمن الغذائي" انتقل من خانة الإغاثة الطارئة إلى خانة "التنمية الاستراتيجية".
معركة الجوع القادمة لن تُخاض بالمساعدات، بل بالماء، والأرض، والبحر.
اللافت في أجندة اللقاء أنه لم يقتصر على الجانب الإغاثي، بل ذهب مباشرة إلى معالجة الجذور من خلال التركيز على "تنمية الموارد المائية" و "دعم سبل العيش للمزارعين والصيادين". هذا التوجه يعني إدراكاً بأن الحل الدائم للجوع وغلاء الأسعار لا يكون بالمساعدات فقط، بل بإعادة تشغيل عجلة الإنتاج المحلي.
كما أن إدخال "مواجهة تحديات المناخ" ضمن النقاش يعكس وعياً بأن الجفاف والفيضانات وتذبذب الأمطار لم تعد ظواهر عابرة، بل تهديداً مباشراً للإنتاج والاقتصاد الريفي.
وكان أبرز ما تطرق إليه اللقاء هو "مشروع سد حسان الاستراتيجي" في محافظة أبين. تخصيص حيز تفصيلي لهذا المشروع يحمل دلالة كبيرة، فالسد ليس مجرد بنية خرسانية. هو مشروع حياة متكامل. استكمال المرحلة الأولى منه يعني توفير مياه ري دائمة لعشرات الآلاف من الهكتارات الزراعية في دلتا أبين، وتشغيل مئات المزارع المتوقفة، وخفض فاتورة استيراد الخضروات والفواكه التي تستنزف العملة الصعبة.
والحديث عن المرحلة الثانية يعني نية لتوسيع الأثر وتحويل الدلتا إلى سلة غذاء حقيقية للجنوب واليمن عموماً.
إلى جانب السدود، برز ملف الثروة السمكية كأحد محاور النقاش. واليمن يمتلك أطول شريط ساحلي في المنطقة العربية، وتطوير هذا القطاع قادر وحده على تحقيق 3 أهداف في آن واحد: توفير البروتين للمواطن بأسعار معقولة، وتوفير فرص عمل مباشرة لآلاف الصيادين، وتوليد عملة صعبة من خلال التصدير. دعم هذا القطاع اليوم هو استثمار في الأمن الغذائي والاقتصاد معاً.
إذا ما ترجمت مخرجات هذا اللقاء إلى برامج تنفيذية على الأرض، فإن النتائج المتوقعة يمكن قراءتها على ثلاثة مستويات. على المدى القريب، خلال 3 إلى 6 أشهر، نتوقع إطلاق مشاريع سريعة الأثر تتمثل في توفير مدخلات زراعية، وقوارب صيد، وحفر آبار.
هذه المشاريع تستهدف تخفيف المعاناة الفورية للمزارع والصياد. وعلى المدى المتوسط، خلال سنة إلى ثلاث سنوات، سيكون استكمال المرحلة الأولى من سد حسان هو المؤشر الحقيقي لنجاح هذه الشراكة.
وهنا أي تقدم ملموس سيعني بداية عودة الثقة في المشاريع الكبرى. أما على المدى الطويل، فالرهان على وضع استراتيجية وطنية متكاملة للمياه والزراعة بالشراكة مع البرنامج السعودي، خاصة مع حضور وكيل قطاع الري المهندس أحمد الزامكي، ما يعني أن الوزارة تسعى لخطط فنية قابلة للتنفيذ لا شعارات.
في المحصلة، يحمل هذا اللقاء رسالتين واضحتين. الأولى للمواطن اليمني بأن هناك توجهاً جاداً للعودة إلى الأرض والبحر كمصدر رزق وكرامة وأمن. والثانية لشركاء اليمن بأن المطلوب اليوم هو "مشاريع إنتاج" تخلق قيمة مضافة، وليس فقط "مساعدات استهلاك" تنتهي بانتهاء التمويل.
الرسالة وصلت. لم يعد أحد يقبل بمشاريع على الورق. المواطن يريد ماء يروي أرضه في أبين، وقارب يخرج به للصيد في سواحل حضرموت والمهرة. نجاح هذا اللقاء لن يُقاس بعدد البيانات، بل بعدد الهكتارات التي ستعود خضراء، وبعدد المراكب التي ستعود للبحر.
البرنامج السعودي وضع يده على الجرح، والوزارة عليها أن تثبت أنها جاهزة للجراحة.
فإما أن نحول "سد حسان" من حلم مؤجل إلى واقع منتج.. أو نستمر في استيراد الجوع بفاتورة لا نستطيع دفعها.