هذه الآية ليست نداءً إلى موسى عليه السلام وحده، وإنما هي قاعدة أخلاقية عظيمة، وميزان دقيق من موازين الإيمان.
فالمؤمن لا يُقاس فقط بما يفعله بيده، وإنما يُقاس كذلك بالموقف الذي يتخذه حين يرى الحق والباطل متقابلين، وبالمعسكر الذي يختار أن يقف فيه حين تختلط الأصوات وتشتد الفتن.
فالوقوف مع الظالم وإن لم تشاركه ظلمه....
قد يكون ظلمًا من نوع آخر؛ لأن الظالم لا يستمد قوته دائمًا من سطوته، وإنما يستمدها أحيانًا من أولئك الذين يصفقون له، ويبررون أفعاله، ويبحثون عن المخارج الشرعية والأخلاقية لجرائمه، ويحوّلون القبح في عينيه إلى بطولة، والعدوان إلى ضرورة، والباطل إلى قضية تستحق الدفاع!!!
قد يظن بعض الناس أن الوقوف إلى جانب أصحاب القوة مكسب، وأن الانحناء للعاصفة يحفظ المصالح، وأن ممالأة أصحاب النفوذ طريق مختصر إلى الجاه والمال والمكانة... فيبيعون ضمائرهم بثمن عاجل، وينسون أن للباطل عمرًا، وأن للظلم نهاية، وأن الأيام دول.
لقد كان فرعون محاطًا بالملأ، وكان له السحرة والجنود وأهل التملق، وكان حوله من يقولون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ﴾، ومن يزينون له سلطانه، ويخيفون الناس من مخالفته؛ لكن فرعون غرق، وغرق معه الذين آثروا القرب من سلطانه على النجاة بدينهم.
وفي قصة فرعون عبرة لا تنتهي: ليس كل من وقف مع القوي صار قويًا، وليس كل من اقترب من الظالم نجا بظلمه.
بل إن القرآن يصور لنا نموذجًا آخر من أخطر نماذج التبرير السياسي والأخلاقي حين يقول عن قوم فرعون:
﴿وَجَعَلْنَاهم أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ﴾.
تأمل: يدعون إلى النار.
لم يكونوا جميعًا أصحاب السيوف، وإنما كان منهم أصحاب الدعوة إلى الباطل، وأصحاب التزيين، وأصحاب التأثير، وأصحاب الكلمة التي تمنح الظلم غطاءً وتمنحه قدرة على الاستمرار.
وهنا تكمن مسؤولية الكلمة.
فالكلمة ليست هواءً يخرج من الفم ثم يتلاشى....
قد تكون شهادة حق، وقد تكون خنجرًا في ظهر المظلوم، وقد تكون لبنة في جدار الظلم.
وإن من أعظم البلاء أن يتحول الإنسان من شاهد على الظلم إلى محامٍ عن الظالم، ومن متألم من الباطل إلى مبرر له، ثم يقنع نفسه أنه إنما يفعل ذلك "حكمةً" أو "مصلحةً" أو "حفاظًا على موقعه".
قد يخسر المرء منصبًا لأنه قال الحق، لكنه يربح نفسه.
وقد يخسر مالًا لأنه رفض الحرام، لكنه يربح بركة العمر.
وقد يخسر رضا سلطان لأنه لم يزيف الحقيقة، لكنه يكسب رضا الله.
أما الذين يبيعون مواقفهم في سوق النفوذ...... فإنهم قد يحصلون على شيء من الدنيا، لكنهم كثيرًا ما يكتشفون متأخرين أن ما حسبوه غنيمة لم يكن إلا قيدًا، وأن القرب من الظالم لم يكن حماية، وإنما كان تأجيلًا للسقوط.
والتاريخ مليء بأسماء رجال ظنوا أن سلطان الظالم أبدي، فلما انكسر سلطانه انكسرت معهم الأقنعة، وبقيت أسماؤهم شاهدة على أن الإنسان قد يهرب من الناس، لكنه لا يستطيع أن يهرب من التاريخ، ولا من ضميره، ولا من عدالة الله.
فاحذر أن تكون ظهيرًا للمجرمين، أو شاهد زور على الباطل، أو صوتًا يمنح الظلم شرعية، أو يدًا تصفق لمن يستحق أن يُنصح، أو قلمًا يجمّل القبيح لأن صاحبه يملك القوة.
كن مع الحق، فإن الحق قد يكون ضعيفًا في أعين الناس، لكنه قوي بالله.
وكن مع المظلوم، ولو لم يكن من جماعتك.
وانصر الظالم بمنعه من ظلمه، لا بتبرير ظلمه.
وإذا عجزت عن تغيير المنكر، فلا تجعل عجزك سببًا في تزيينه.
واعلم أن المواقف تُنسى أحيانًا في دفاتر الناس، لكنها لا تُنسى في دفتر الله.
فتذكر أن الناس راحلون، وأن السلطان زائل، وأن القوة عارية مستردة، وأن الدنيا مهما طال ليلها فلا بد أن يطلع عليها فجر الحقيقة.
فلا تكوننَّ ظهيرًا للمجرمين.
كن جدارًا يحمي الحق... لا ستارًا يخفي الباطل.
كن لسانًا للعدل.... لا صدى للمتسلطين.
كن إنسانًا يستطيع أن يقف وحده....إذا كان الوقوف وحده هو ثمن أن يبقى واقفًا مع الله.
فإن الباطل قد ينتفخ حتى يخيّل إلى الناس أنه جبل، لكنه في ميزان الحقيقة أهون من بيت العنكبوت.
أما الحق: فقد يبدو وحيدًا في أول الطريق، لكنه يحمل في داخله وعد الله:
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾.