سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، لكنه بالغ التعقيد في دلالاته: متى ستتحرر صنعاء من قبضة الحوثيين؟
والسؤال هنا ليس عن معركة عسكرية فحسب، ولا عن موعد يمكن تحديده في أجندة سياسية، بل عن مستقبل دولة ما تزال عاصمتها خارج سيطرة مؤسساتها، وعن شعب طال انتظاره لعودة الدولة إلى المكان الذي يفترض أن تكون فيه.
فإلى متى سيستمر انتظار عودة مؤسسات الدولة إلى صنعاء؟ وما المدة التي تحتاجها القيادة السياسية والعسكرية حتى تستعيد الدولة حضورها في عاصمتها؟
حتى هذه اللحظة، لا يبدو أن هناك إجابة واضحة ومقنعة.
المواطن اليمني الذي أنهكته الحرب، وتبدلت عليه الحكومات والقيادات والاتفاقيات، لم يعد يبحث عن خطابات جديدة بقدر ما يبحث عن موعد سياسي واضح، ورؤية عملية، وخطة تقوده إلى نهاية هذا العبث.
صنعاء ليست مجرد مدينة يمكن أن تكون هنا أو هناك في خارطة النفوذ. صنعاء هي عاصمة الجمهورية اليمنية، ومركز مؤسساتها السيادية، ورمز حضور الدولة ووحدتها. ولذلك فإن بقاء مؤسسات الدولة خارج عاصمتها طوال هذه السنوات لا ينبغي أن يتحول إلى أمر اعتيادي تتعايش معه النخب السياسية وكأنه قدر لا يتغير.
قد يقول قائل إن استعادة صنعاء ليست بالأمر السهل، وإن المعركة لها حساباتها العسكرية والسياسية والإقليمية، وهذا صحيح. لكن الصعوبة لا تعني أن يصبح غياب الهدف مقبولًا، ولا أن تتحول المرحلة المؤقتة إلى حالة دائمة.
السؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه اليوم أمام مجلس القيادة الرئاسي ليس فقط: كيف ندير المناطق التي تحت سيطرتنا؟
بل الأهم من كل ذلك:
متى تعود الدولة إلى عاصمتها؟
وإذا كانت استعادة صنعاء تحتاج إلى ظروف سياسية وعسكرية وإقليمية لم تكتمل بعد، فما هي الخطة للوصول إليها؟ وما الذي تحقق خلال السنوات الماضية؟ وما الذي تبقى؟ وهل هناك سقف زمني يمكن للشعب أن يعرف من خلاله إلى أين تسير البلاد؟
لا نريد موعدًا دعائيًا ولا وعودًا للاستهلاك الإعلامي، وإنما نريد رؤية واضحة.
فالقيادة التي تطلب من شعبها الصبر، مطالبة في المقابل بأن تقول له: إلى أين نمضي؟
والدولة التي تنفق سنوات في انتظار استعادة عاصمتها، مطالبة بأن تشرح لشعبها ماذا تفعل من أجل تحقيق ذلك.
أما أن تبقى صنعاء تحت سلطة الحوثيين، وتبقى مؤسسات الدولة موزعة بين العواصم والمدن، ويظل المواطن يسمع عن الاجتماعات والمبادرات والمشاورات دون أن يرى طريقًا واضحًا لعودة الدولة، فهذه ليست مشكلة عسكرية فقط، وإنما مشكلة سياسية تستحق المراجعة والمساءلة.
لقد طال الانتظار.
وطول الانتظار لا يقتل الأمل فقط، بل يجعل الأجيال الجديدة تعتاد على فكرة أن الدولة يمكن أن تكون بلا عاصمة، وأن العاصمة يمكن أن تكون بلا دولة.
وهنا تكمن الخطورة.
صنعاء ليست غنيمة سياسية، وليست ورقة تفاوض، وليست مجرد جغرافيا متنازعًا عليها. صنعاء عاصمة اليمن، وعودتها إلى حضن الدولة يجب أن تبقى هدفًا وطنيًا واضحًا، لا شعارًا مؤجلًا إلى أجل غير معلوم.
لذلك، فإن السؤال الذي طرحته يستحق أن يبقى مفتوحًا أمام قيادة المجلس الرئاسي:
كم تبقى من الوقت حتى تستعيد الدولة عاصمتها؟
وإذا لم يكن بالإمكان تحديد السنوات أو الأشهر، فعلى الأقل ليكن هناك مشروع واضح، وخارطة طريق معلنة، ومؤشرات حقيقية يستطيع المواطن من خلالها أن يعرف أن صنعاء ليست مجرد أمنية مؤجلة، وإنما هدف تعمل الدولة من أجله.
فالدول لا تستعيد عواصمها بالانتظار، ولا تبني مستقبلها بالتمنيات.