في الحادي والعشرين من سبتمبر من هذا عام، يحيي الحوثيون ما يسمونه “عيد الثورة”، رافعين شعارات الحرية والاستقلال. غير أن هذه الشعارات تتناقض جذريا مع طبيعة الفكر السلالي الإمامي الذي تقوم عليه الجماعة، ومع الممارسات الفعلية التي مارستها على مدى عقود من حكمها لليمن. لا يمكن فهم هذا التناقض إلا بالعودة إلى الجذور التاريخية لهذا الفكر، وتتبع مساره من الدولة الرسية في القرن الثالث الهجري حتى الجماعة الحوثية المعاصرة.
يرتبط الفكر الإمامي السلالي في اليمن بشخصية يحيى بن الحسين الرسي، الذي قدم إلى اليمن سنة 284هـ/897م، واتخذ من صعدة مركزاً لدعوته، وأسس ما عُرف بالدولة الرسية. غير أن السردية الحوثية التي تقدّم الرسي كداعٍ من آل البيت تتناقض مع الشواهد التاريخية التي تشير إلى أصوله الفارسية. فقد ارتبط اسم الرسي بجبل “الرَّس” في المدينة المنورة، وهرب أجداده من الملاحقة العباسية إلى بلاد السند، قبل أن يعود والده الحسين إلى اليمن.
المؤكد أن الرسي لم يكن عربيا قحطانيا، بل انحدر من سلالة فارسية استعربت مع الزمن. ويؤكد الباحثون أن نظام إيران يطلق اليوم على الأسر السلالية الهاشمية الحوثية وصف “أبناء فارس”، وهي تسمية تعود لنسل مجموعة من الفرس الذين نفاهم ملك فارس ضمن جيش احتل صنعاء في العام 570م، وحاولوا الاندماج في المجتمع اليمني؛ بل إن الرسي نفسه استعان بمقاتلين من “الطبريين” (نسبة لطبرستان في شمال إيران) لإخضاع القبائل اليمنية التي رفضت حكمه.
واللافت أن الحوثيين اليوم لا يقرّون في الخفاء لنسب بقية آل البيت بالامتيازات التي يمنحونها لأنفسهم فقط. فهم يعدّون باقي البيوت العلوية وسيلة تزايد عليهم لتحقيق مطامعهم، بينما يدّعون لأنفسهم وحدهم العصمة والاصطفاء الإلهي. وتشير المصادر إلى أن هذا الادعاء بالنسب العلوي هو في حقيقته غطاء لشرعنة حكم سلالي عنصري لا يستند إلى أي أساس ديني حقيقي.
تقوم العقيدة الحوثية على تقسيم المجتمع اليمني إلى طبقتين: “السادة” وهم السلالة الحوثية فقط، و”العبيد” وهم بقية الشعب اليمني بمن فيهم بقية الهاشميين. هذا التقسيم ليس مجرد خطاب سياسي؛ بل هو أساس عقائدي ترجم إلى سياسات عملية. فقد ورد في وثيقة حقوقية أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن جماعة الحوثي “تقسم اليمنيين إلى سادة وعبيد، وتعتبر أن السادة هم سلالتها فقط؛ لذلك هم فقط من يحق لهم اعتلاء المناصب العليا وتخصص امتيازات مالية حصرية لهم، أما بقية اليمنيين فهم مواطنون من الدرجة الثانية”.
وقد ترجم هذا التقسيم إلى تشريعات عملية، إذ قامت الجماعة بتعديل قانون الزكاة وأصدرت “قانون الخُمس” الذي يمنح لكامل سلالتها العرقية فقط عشرين في المائة من ثروات اليمن، سواء من الأفراد أو الشركات. ويصف بعض الناشطين الحقوقيين هذا الفكر بأنه “عقيدة ضالة قائمة على أخذ الحقوق وحكم الناس بالاصطفاء”.
هذا الفكر الاصطفائي ليس وليد اللحظة؛ بل هو امتداد مباشر لعقيدة الإمامة السلالية التي حكمت اليمن قروناً. فقد كان الأئمة الزيديون يعتبرون أنفسهم “الصفوة التي لا يليق الحكم إلا بها، وأن العامة عبيد يجب أن يخضعوا لها”. وما فعله الحوثيون اليوم ليس سوى إعادة إنتاج لهذا المنظومة العنصرية التي ثار عليها اليمنيون في ثورة 26 سبتمبر 1962.
التاريخ شاهد على أن حكم الأئمة السلاليين كان قائماً على السلب والنهب. فمنذ أن وصل يحيى حسين الرسي إلى صنعاء، صادر كثيراً من أموال أهلها بالقوة القاهرة، بحجة محاربة خصومه. ولم يكن الرسي الوحيد في ذلك؛ بل سار على نهجه من جاء بعده من الأئمة. فقد “قام الهادي ورجال دولته بقلع الزروع والأعناب وقطع النخيل وتدمير البيوت، وتضمين القرى والقبائل”.
ويصف المؤرخون ما جرى في عهد الإمام شرف الدين بأنه “من أبناء عمومة الحوثيين”، الذي “أرسى نظام الرهائن لضمان تطويع الشعب”، وقتل من حلفائه الأشراف ألف قتيل، وضرب أعناق ستمائة أسير في وقعة “المخلاف”. كما سُجلت جرائم عبدالله بن حمزة في بداية القرن السابع الهجري كأكبر مجزرة في تاريخ الإسلام في صنعاء.
وفي العصر الحديث، لم يتغير هذا النهج. ففي أعقاب فشل ثورة 1948م، أُبيحت صنعاء للقبائل ونهبت وقتل أهلها. وما فعله الحوثيون بعد انقلابهم على الدولة عام 2014 ليس سوى استمرار لهذه الثقافة ذاتها. فقد وثقت المنظمات الحقوقية استمرار عمليات “هدم ونهب وتفجير منازل المواطنين”، إذ تم توثيق “884 حادثة تفجير لمنازل مدنيين في 16 محافظة يمنية خلال السنوات العشر الماضية”.
أدرك الأئمة السلاليون عبر التاريخ أن الجهل هو البيئة الوحيدة التي يمكن أن تُقنع الناس بشرعية حكمهم. فقد “ظل التعليم متخلفا يقتصر على التعليم الديني واللغوي في المساجد والمدارس الصغيرة الملحقة بالمساجد”، في ظل سياسة “العزلة” التي فرضها الإمام يحيى حميد الدين على اليمن. وكان الأئمة يدركون أن التعليم الحديث سيفتح أعين الناس على حقيقة أن حكمهم لا يستند إلى أي أساس شرعي؛ بل هو مجرد استيلاء سلالي على السلطة.
هذه السياسة التجهيلية مستمرة اليوم بأشكال جديدة؛ فقد أقدمت مليشيا الحوثي على إلغاء مقررات سياسية في جامعة صنعاء لخدمة مشروع “ولاية الفقيه” الإيرانية، و”تجريف التعليم وتطويعه مع أجندتها”. ويصف أحد الكتّاب اليمنيين ما يجري بأنه “نشر الجهل المقدس وهو أخطر من جهل القراءة والكتابة، فهو يعمل على نشر الخرافة مكان المعرفة المستندة على المنطق العقلي وتحويل الشعب إلى عبيد لهم بقناعة أن عبادتهم لهم هي عبادة لله”.
إضافة إلى ذلك، تفرض المليشيا ما تسميه “الدورات الثقافية” الإجبارية على الموظفين في أماكن عملهم، حيث تُعرض فيديوهات مسجلة لحسين وعبدالملك الحوثي، وتُفرض “ملازم المليشيا” على الموظفين لقراءتها ومناقشتها أسبوعياً. هذا هو “التجهيل المقدس” بامتياز: ليس فقط منع الناس من التعليم؛ بل إعادة برمجتهم على قبول عبوديتهم للسلالة الحاكمة.
لا يمكن الحديث عن “الحرية” التي يرفعها الحوثيون دون مواجهة واقع القمع الذي يمارسونه ضد كل من يخالفهم. فقد وثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات “22 ألفاً و165 حالة اعتقال واختطاف وإخفاء قسري وتعذيب نفسي وجسدي” ارتكبتها مليشيا الحوثي خلال الفترة من ديسمبر 2014 وحتى أغسطس 2026.
وتشير التقارير الحقوقية إلى أن الانتهاكات “تطورت إلى ممارسات منهجية تشمل الحرمان التعسفي من الحرية، والاختفاء القسري، والتعذيب وسوء المعاملة، وتقييد الحريات الأساسية، واستهداف المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والمحامين والفاعلين السياسيين”. وتصف الأمم المتحدة “خلية الضغط” (2م × 1م) التي تُستخدم للعزل والتعذيب، حيث “يُجبر المحتجزون على التبول والتغوط في نفس المكان”.
يضاف إلى ذلك جرائم القتل والإصابة بحق المدنيين. فقد وثقت لجنة يمنية “501 واقعة قتل وإصابة لمدنيين”، منها “73 طفلاً و36 امرأة”، وكانت مليشيا الحوثي مسؤولة عن 446 واقعة منها. كما وثقت الشبكة اليمنية للحقوق “278 ألف جريمة وانتهاك” ارتكبتها المليشيا بحق المدنيين خلال اثني عشر عاما.
منذ تأسيس الدولة الرسية، كانت العلاقة بين السلالة الحاكمة واليمن الموحد علاقة توتر دائم. فالسلالة السلالية تدرك أنها أقلية في بلد ذي أغلبية سنية، وأن بقاءها في السلطة يتطلب إما إخضاع الأغلبية بالقوة، أو الانفصال الجغرافي لضمان هيمنتها في منطقة محدودة.
هذا ما يفسر سلوك الحوثيين اليوم في تعاملهم مع الجنوب. فقد حاربوا الجنوبيين بحجة أنهم “دواعش”، وهو اتهام يهدف إلى “تنفير الجنوبيين ودفعهم للمطالبة بالانفصال”، لأن الانفصال عن الجنوب يحقق هدفا استراتيجيا للسلالة السلالية: التخلص من الأغلبية السنية التي لا يمكن إخضاعها بسهولة؛ فالحوثيون “يدركون أنهم لن يستطيعوا السيطرة على اليمن كله”؛ ولذلك يسعون إلى “الانفصال الطائفي”.
هذا المشروع الانفصالي ليس جديداً. ففي حرب صيف 1994، أيد حسين بدر الدين الحوثي انفصال الجنوب. واليوم، يدرك المراقبون أن “تخادم المشروعين الانفصاليين في اليمن” — المشروع السلالي في الشمال والمشروع الجغرافي في الجنوب — يخدم أجندات خارجية تريد إضعاف اليمن وتقسيمه.
إذا كان الحوثيون يتغنون بالاستقلال، فالسؤال المشروع: استقلال عن من؟ فتاريخيا، استعان الرسي بالفرس والديلم والطبرستانيين لإخضاع اليمن. وفي العصر الحديث، تحول هذا التحالف إلى تبعية كاملة لنظام ولاية الفقيه الإيراني. فقد أعلنت صحيفة الجيش اليمني أن مبايعة الحوثيين لخامنئي “إعلان صريح بتحويل اليمن إلى جبهة للمشروع الإيراني”، وأن “البيعة تقطع الشك باليقين في أن المليشيا ليست سوى أداة وظيفية وذراع مسلح يُدار من طهران”.
ويؤكد المراقبون أن “المليشيات الانقلابية باليمن هي جزء من منظومة وكلاء إيران في المنطقة، والتي تقوم بنيتها على الولاء العقائدي والسياسي للولي الفقيه في إيران، وتنفيذ توجيهاته ضمن مشروع عابر للحدود”. وقد كشفت مصادر استخباراتية عن إرسال إيران لقيادات من الحرس الثوري إلى اليمن “لدعم عمليات الحوثيين وتقديم التدريب على أنظمة صواريخ جديدة”، مع شحنات من مكونات الصواريخ والطائرات المسيرة.
بل إن عبد الملك الحوثي نفسه يعتبر الخميني بمثابة “ابن عم”، وأنهم “جميعا ينتمون إلى سلالة آل البيت”، وهو ما يعكس “رابطة شعورية تفرض تنسيقا وتعاونا وتكاملا يختلف عن أي تحالفات سياسية معروفة”. هذا الاعتراف الصريح بالتبعية العقدية والسياسية لإيران يكشف زيف شعار “الاستقلال” الذي يرفعه الحوثيون.
في مفارقة ساخرة؛ يرفع الحوثيون شعارات الحرية والجمهورية، بينما يمارسون توريث السلطة داخل الأسرة الحاكمة؛ فقد كشفت مصادر يمنية عن “ترتيبات داخلية تهدف إلى الدفع بجبريل، نجل زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي، لخلافته في قيادة الجماعة”، وسط اعتراضات من شخصيات بارزة في الأسرة وقيادات الصف الأول.
رافق هذا السيناريو “تحركات متزامنة لتحييد وتقليم نفوذ القيادات البارزة التي أبدت اعتراضها على حصر القيادة في أسرة عبد الملك”، بما في ذلك إبعاد شقيقه الأكبر يحيى بدر الدين عن منصبه وزيرا للتربية والتعليم، وتقليص نفوذ عمه عبد الكريم أمير الدين. هذا التوريث العائلي ليس مجرد مسألة تنظيمية؛ بل هو إعادة إنتاج لنظام الإمامة السلالية الذي حكم اليمن قرونا؛ حيث كانت السلطة تنتقل من الأب إلى الابن، ومن العم إلى ابن الأخ، في دورات لا تنتهي من الصراعات الدموية.
إن استقلال اليمن الحقيقي ليس عن الجنوب أو الشمال؛ بل عن السلالية التي ادعت الانتساب إلى بيت الرسول ثم “لا تقر لأي بيت للرسول بالامتيازات التي تمنحها لنفسها فقط”. إنه استقلال عن فكر يزعم أن “الله خلقهم أسيادا وخلق الناس عبيدا لهم”، وعن عقيدة تجعل من “معصوم” لا ينبغي نقاشه أو معارضته. إنه استقلال عن جماعة تبيع البلاد لإيران مقابل بقائها في السلطة، وتجهّل الشعب لتبقيه رهينة أسطورتها السلالية.
في 21 سبتمبر، لا يحتفل الحوثيون بثورة؛ بل يحتفلون باستيلاء سلالي على دولة. وما يسمونه “حرية” هو في الحقيقة عبودية مقنّعة، وما يسمونه “استقلالاً” هو رهن لإيران. والحقيقة التي يخشى الحوثيون مواجهتها هي أن اليمنيين، بجميع أطيافهم، قد ذاقوا طعم الحرية والمساواة بعد ثورة 26 سبتمبر 1962، ولن يقبلوا العودة إلى زمن “السادة والعبيد” مهما طال الظلام.