آخر تحديث :الثلاثاء-09 يونيو 2026-05:38م

قبول الاختلاف واحترام الآخر

الثلاثاء - 09 يونيو 2026 - الساعة 05:34 م

حسين أحمد الكلدي
بقلم: حسين أحمد الكلدي
- ارشيف الكاتب

تُعد قدرة المجتمعات على قبول الاختلاف أحد أهم مؤشرات نضجها الحضاري. فكلما ارتفع مستوى احترام التنوع الثقافي والديني والعرقي، ازدادت فرص التعايش والاستقرار، وتراجعت مظاهر التعصب والإقصاء التي تعيق تطور الإنسان والمجتمع. وقد أتاحت لي تجاربي في السفر والإقامة في عدد من البلدان فرصة ملاحظة الفوارق بين المجتمعات في تعاملها مع الاختلاف. ومن أبرز تلك التجارب ما حدث لي في عام 1998م، حين ذهبتُ أنا واثنان من زملائي إلى هونغ كونغ، التي كانت محطة عبور لنا في طريقنا إلى الصين الشعبية. في ذلك الوقت، كان الحصول على التأشيرة أمرًا سهلًا، كما كان يُسمح لنا بدخول هونغ كونغ دون تأشيرة مسبقة، قبل أن تتغير الأنظمة وقوانين الهجرة لاحقًا، ويصبح الدخول إليها مشروطًا بالحصول على تأشيرة. أما تأشيرة الدخول إلى الصين، فكان يمكن إنجازها خلال يومي عمل تقريبًا، الأمر الذي كان يتطلب منا الإقامة في هونغ كونغ إلى حين استكمال الإجراءات.وخلال تلك الفترة كنا نخرج للتسوق ونستكشف شوارع المدينة التي لم يسبق لنا زيارتها، وكان للتسوق فيها متعة خاصة. فقد كانت مقصدًا للسياح من مختلف أنحاء العالم الذين يأتون إليها لمشاهدة مبانيها الشاهقة المميزة، وشوارعها الجميلة الضيقة المكتظة بالناس، ومطارها، ومطاعمها الفاخرة، ومعالمها السياحية. او للتجارة وكانت الحركة فيها سريعة للغاية نتيجة النشاط الاقتصادي المتسارع. حتى إنه كان من الصعب أن تجد من يجيبك عن استفسارك أو يقدم لك المساعدة؛ فالجميع كانوا يهرولون نحو أعمالهم دون أن يلتفتوا إلى من حولهم. أما اليوم، وبعد أن فتحت الصين أبوابها للعالم، فقد تغيرت الصورة كثيرًا؛ إذ تجد من يتوقف لمساعدتك بكل أريحية، بل وقد يرافقك إلى وجهتك إذا كانت قريبة. وقد تعرضنا لحادثة لافتة آنذاك عندما أردت شراء كاميرا حديثة؛ إذ كان بعض الباعة يعرضون الكاميرات الأصلية، ثم يستبدلونها بأخرى مقلدة بعد دفع المبلغ، بل إن بعضهم كان يحاول إجبار المشتري على قبولها، مستغلًا ضعف خبرته أو اعتقاده بأنه لن يستطيع المطالبة بحقه. وقد وجدت مظاهر التمييز والعنصرية آنذاك بصورة لافتة للنظر. لكن مع انتقال جزء كبير من النشاط التجاري إلى الصين، واحتفاظ هونغ كونغ بدورها كمركز للوكالات التجارية العالمية والسياحة، تراجعت تلك المظاهر تدريجيًا، وأصبحت أكثر انفتاحًا على التنوع الثقافي. كانت تلك من أكثر التجارب إثارة وإلهامًا التي خضتها خلال رحلاتي حول العالم، كما أنها كشفت لي جانبًا من الثقافات التي لا تتقبل الاختلاف بالقدر الكافي. وقد واجهت شيئًا مماثل من ذلك القبيل في ألمانيا، حيث صادفت بعض المواقف التي اتسمت بعدم احترام الاختلاف أو التنوع. فقد أظهرت بعض المواقف اليومية التي عايشتها أن التمييز والتنمر لا يرتبطان بمستوى التقدم الاقتصادي بقدر ارتباطهما بالوعي الإنساني والثقافي، وهو أمر لم أكن أتوقعه في القرن الحادي والعشرين. فما زلت أذكر بعض المتنمرين الذين كانوا يتعاملون مع الآخرين بألفاظ فظة، سواء في الشارع العام أو في محطات القطارات، وكأن تلك المشاهد حدثت بالأمس. ومن هنا أدركت أن احترام الناس والتعامل معهم بكرامة يسهم في تعزيز الثقة المتبادلة بينهم. فحتى في بعض المراحل التاريخية للدول الاستعمارية، كانت بعض الجاليات تُمنع دخولها المطاعم أو المحال التجارية التي يرتادها البيض، وهي حقائق قد لا يرغب البعض في الحديث عنها كثيرًا. إن بعض المجتمعات لا تزال تجد صعوبة في تقبل الاختلاف، سواء تعلق الأمر بالمعتقدات الدينية، أو أنماط الحياة، أو حتى طريقة اللباس. ولو أدركت هذه المجتمعات أن قبول الآخر هو، في حقيقته، تعبير عن احترام الذات وتعظيم القيم الإنسانية، لأصبحت أكثر قدرة على بناء جسور التفاهم والتعايش. كثيرًا ما نسمع عن التسامح واحترام آراء الآخرين وثقافاتهم المختلفة. والحقيقة أن التسامح ليس سوى تجسيد عملي لاحترام الإنسان لإنسانيته المشتركة مع الآخرين. ومن هنا يتولد الدافع الحقيقي لتمكين الإنسان الذي دفعته مصلحة الأعمال أو الظروف للعمل أو الدراسة في بلد آخر، ليصبح فردًا فاعلًا ومتميزًا في المجتمع الذي يعيش فيه. فما أحوجنا اليوم إلى نشر ثقافة التعايش، وإبراز الخير الكامن في نفوس البشر. وأتساءل أحيانًا: ماذا لو احترم كل إنسان الاختلافات بينه وبين جيرانه، وبين أبناء وطنه، وبين شعوب العالم كافة؟ حتى الاختلافات القبلية والاجتماعية داخل الوطن الواحد يمكن تجاوزها إذا ساد الاحترام المتبادل. ومن أعظم ما يمكن أن تقدمه للآخر أن تمنحه الثقة، وأن تساعده على تحمل المسؤولية، وأن تشعره بأنك تؤمن بقدراته وخلال إقامتي الطويلة في بعض البلدان، وجدت أشخاصًا لا يحترمون وجودك لمجرد اختلاف شكلك أو عرقك أو ثقافتك، بل قد يرفضونك حتى بسبب أبسط التفاصيل الشخصية، وكأنهم يريدون منك أن تكون نسخة مطابقة لهم في تصرفاتهم وعاداتهم. إنهم لا ينظرون إليك بوصفك إنسانًا جاء ليسهم في خدمة المجتمع ويحقق مصالح مشتركة مع البلد الذي يقيم فيه، بل يتقبلونك ما دامت هناك مصلحة تربطهم بك، فإذا انتهت تلك المصلحة اعتبروك شخصًا دخيلًا يشاركهم الهواء والموارد، وحتى الماء. وقد يصل الأمر ببعضهم إلى اختلاق المشكلات مع جيرانهم من الأجانب؛ فمجرد سماع حركة أطفال في شقة مجاورة قد يدفعهم إلى تقديم شكاوى للشرطة، والسعي إلى إخراج الأسرة من المبنى بأي وسيلة ممكنة. إن هؤلاء لا يدركون أن احترام من لا يشبهوننا هو أحد أرقى أشكال الرقي الإنساني. فتعظيم الذات الحقيقي لا يتحقق بإقصاء الآخرين، بل بالقدرة على التعامل معهم بمسؤولية واحترام. وعندما نصل إلى هذه المرحلة، يصبح من السهل تقبل الإنسان المختلف في لغته ومعتقداته وعاداته وتقاليده، باعتباره إنسانًا كامل الكرامة والحقوق، دون محاولة فرض قيمنا الخاصة عليه أو إلزامه بأن يكون نسخة منا.