آخر تحديث :السبت-25 يوليو 2026-11:29م

قراءة معاصرة في قصيدة البردوني «عجزُ الكلام عن الكلام»

السبت - 25 يوليو 2026 - الساعة 11:12 م

د. سعيد الحرباجي
بقلم: د. سعيد الحرباجي
- ارشيف الكاتب

هناك نصوص شعرية تولد في لحظة تاريخية محددة لكنها لا تبقى أسيرة زمنها...

ذلك لأن الشاعر الحقيقي لا يكتب عن الحادثة العابرة، وإنما ينفذ إلى جوهر الإنسان وتقلبات الحياة ومفارقات السلطة والمجتمع.


ومن هذه النصوص الخالدة قصيدة الشاعر الكبير عبدالله البردوني «عجزُ الكلام عن الكلام» ...

تلك القصيدة التي تجاوزت حدود الشعر لتصبح شهادة فكرية وأخلاقية على عصور تختلط فيها الحقيقة بالوهم، ويصبح فيها الواقع أكثر غرابة من الخيال.


لم يكن البردوني في هذه القصيدة شاعراً يصف مشهداً عابراً، بل كان مفكراً يضع يده على جرحٍ عميق في جسد الأمة.

كان ينظر بعين الشاعر البصير إلى عالمٍ انقلبت فيه المعايير، حتى أصبح الإنسان يقف حائراً أمام أسئلة كبرى:


كيف يتحول الخطأ إلى قاعدة؟

وكيف يصبح العبث نظاماً؟

وكيف تُرفع الرايات باسم الإصلاح بينما تُمارس السياسات التي تصنع الخراب؟


ولهذا جاء مطلع القصيدة كأنه صرخة دهشة أمام واقعٍ تجاوز حدود الاحتمال:

( عجزَ الكلامُ عن الكلامِ

والنورُ أطفأهُ الظلامُ )

إنها ليست حالة عجز لغوي، فالبردوني كان من أكثر الشعراء امتلاكاً لأدوات التعبير، وإنما هي لحظة يصل فيها الواقع إلى درجة من التناقض تجعل اللغة نفسها تقف عاجزة عن وصفه.


فحين ينتصر الظلام على النور، لا يكون الخلل في قوة الظلام، بل في غياب من يحملون مشاعل النور.

وحين يصبح الباطل قادراً على ارتداء ثوب الحقيقة، فإن الأزمة لا تكون أزمة كلمات، بل أزمة قيم.


لقد أراد البردوني أن يقول إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس الفقر ولا قلة الموارد، وإنما انهيار الموازين التي تجعل الإنسان عاجزاً عن التمييز بين الصواب والخطأ، وبين من يخدم الوطن ومن يستنزفه.


ثم يرسم صورة أخرى أكثر قسوة:

( والأمنُ أصبح خائفاً

والنومُ يرفضُ أن ينام )

إنها صورة وطنٍ فقد إحساسه بالطمأنينة... فالأمن حين يخاف، فذلك يعني أن الخلل وصل إلى جوهر الأشياء.


فالخوف لم يعد شعوراً فردياً يعيشه شخص هنا أو هناك، بل أصبح حالة عامة تتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية.

إنها حالة المواطن الذي يقلق على غده، والعامل الذي يخشى فقدان مصدر رزقه، والمثقف الذي يدفع ثمن كلمة صادقة، والمسؤول الذي يعيش أسير الحسابات والمصالح.


فالأوطان لا تُبنى بكثرة الشعارات عن الأمن، وإنما ببناء الإنسان الآمن؛ الإنسان الذي يشعر أن القانون مظلته، وأن العدالة طريقه، وأن كرامته مصانة.


ثم ينتقل البردوني إلى واحدة من أكثر صوره الشعرية إثارة للدهشة:

(والذئبُ أمسى حارساً

يحمي الأرانبَ والحمام)

هنا تتجسد عبقرية المفارقة عند البردوني .... فالذئب بطبيعته لا يحرس الفريسة، لكن اختلال الموازين قد يجعل الأشياء تسير عكس طبيعتها.


إنها صورة لعالمٍ تتبدل فيه الأدوار، فيظهر المعتدي بمظهر الحامي، ويتحدث المتسبب في المشكلة عن كيفية حلها، ويقدم الفاسد نفسه باعتباره رجل إنقاذ.


وهذه أخطر مراحل الانحراف الاجتماعي والسياسي .... لأن المجتمعات لا تنهار فقط بسبب وجود الظالمين، وإنما تنهار حين تنجح عملية تزييف الوعي....


فيُطلب من الناس أن يصدقوا الصورة المصنوعة، لا الحقيقة القائمة أمام أعينهم.

فالذئب في الأزمنة الحديثة لم يعد يحتاج إلى أنياب ظاهرة، فقد يأتي في صورة خطاب جميل، ووعود براقة، وشعارات ضخمة، بينما تبقى طبيعته كما هي.


ثم يصل البردوني إلى جوهر المأساة:

(والعدلُ يقعدُ في زوايا السجن

أرهقَهُ القيام) .

ما أعمق هذه الصورة ، وما أشد وقعها !!!

فهو لا يقول إن العدل غائب فقط، بل يصوره كأنه كائن حي أُنهك وأُجبر على الجلوس في الزوايا بعد أن تعب من الوقوف.


فالعدل هو روح المجتمعات، وإذا غاب العدل تحولت القوانين إلى أوراق بلا روح، وأصبحت القوة هي الحاكم الحقيقي، وصار الضعيف يبحث عن حقه في متاهة طويلة لا تنتهي.


إن الأمم لا تسقط عندما يقل عدد المباني أو تنخفض الموارد، لكنها تبدأ بالسقوط حين يفقد الإنسان ثقته بأنصاف الأشياء، وحين يشعر أن الحق يحتاج إلى قوة تحميه أكثر مما يحتاج إلى قانون ينصره.


ثم تأتي الصورة الاقتصادية التي تختصر مأساة الثروات المنهوبة فيقول :

(والنفطُ يملأ أرضَنا

والناسُ تبحثُ عن طعام )

ليس الألم هنا في وجود الفقر وحده، وإنما في المفارقة بين الغنى الطبيعي والفقر الإنساني.

فالثروات وحدها لا تصنع نهضة، والموارد لا تبني وطناً.....

إذا غابت الإدارة الحكيمة، وإذا تحولت مقدرات الشعوب إلى مجال للتنافس على النفوذ والمصالح الخاصة.

فكم من وطنٍ ينام فوق كنوز الأرض، بينما أبناؤه يبحثون عن أبسط حقوق الحياة؟


إن البردوني لم يكن يهاجم الثروة، وإنما كان يفضح سوء استخدامها، ويكشف أن المشكلة ليست في ما تملكه الأوطان، بل في من يدير ما تملكه.


لقد كتب البردوني قصيدته بمداد عصره، لكنها بقيت مفتوحة على كل العصور....

لأنها لم تكن حديثاً عن أشخاص فقط، بل عن ظواهر إنسانية تتكرر كلما اختلت الموازين.

ولهذا فإن قراءة «عجز الكلام عن الكلام» اليوم ليست عودة إلى الماضي، بل مواجهة مع الحاضر.


فهي تضع أمامنا مرآة قاسية تسألنا: هل المشكلة في قلة الكلمات؟ أم في كثرة الحقائق التي نحاول الهروب منها؟


إن البردوني لم يكن عاجزاً عن الكلام، بل كان يقول لنا إن هناك واقعاً يصل من العبث إلى درجة يجعل الصمت أبلغ من الخطابة.


فالقصيدة ليست إعلان استسلام، وإنما دعوة إلى استعادة الوعي....

لأن الأمم لا ينقذها كثرة المتحدثين، بل صدق الكلمات، ونزاهة المواقف، وعودة الإنسان إلى قيم العدالة والحرية والكرامة.


وهكذا يبقى صوت البردوني حاضراً؛ لا كشاعرٍ مضى، بل كضميرٍ حيّ يطرق أبواب الحاضر، ويذكرنا دائماً بأن الظلام مهما طال لا يستطيع إلغاء النور، وأن الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تموت.