ليس أخطر على الإنسان من أن يفقد عقله؛ فالعقل هو النعمة التي بها يعرف الإنسان ربه، ويميّز بين الحق والباطل، وبين ما ينفعه وما يضره. وإذا كان فقدان المال خسارة يمكن تعويضها؛ فإن فقدان العقل خسارة تمتد آثارها إلى الدين والأسرة والمستقبل والوطن كله.
ولهذا لم يكن غريبًا أن تتفق الشرائع والقوانين والعقول السليمة على محاربة كل ما يفسد العقل أو يعطله أو يستعبده. واليوم تقف مجتمعاتنا أمام واحدة من أخطر الآفات التي تستهدف الإنسان في أعز ما يملك: آفة المخدرات؛ فالمخدرات ليست مجرد حبوب أو مساحيق أو مواد محظورة، بل هي مشروع متكامل لتدمير الإنسان من الداخل. إنها حرب صامتة تُشن على العقول قبل الأجساد، وعلى الأسر قبل الأفراد، وعلى مستقبل الأوطان قبل حاضرها.
وما من شاب وقع في براثن الإدمان إلا كانت البداية غالبًا صغيرة ومخادعة: صديق سوء، أو فضول عابر، أو أزمة نفسية، أو فراغ قاتل، أو وهم كاذب بأن المخدرات وسيلة للهروب من الهموم. ثم لا يلبث أن يجد نفسه أسيرا لمادة تتحكم في قراراته ومشاعره وحياته كلها.
وحين يدخل الإدمان إلى حياة الإنسان؛ فإنه لا يسرق صحته فقط؛ بل يسرق ذاكرته وتركيزه وقدرته على اتخاذ القرار، ويقوده شيئا فشيئا إلى العزلة والكذب والتفكك الأسري والانهيار النفسي. وكثير من الجرائم وحوادث العنف والمآسي الأسرية لم تكن إلا نتيجة مباشرة لعقل غاب تحت تأثير المخدرات.
إن المخدرات ليست مشكلة فردية تخص المدمن وحده؛ بل هي قضية أمن مجتمعي وأخلاق عامة ومستقبل أمة؛ فالمدمن قد يبدأ ضحية؛ لكنه قد يتحول لاحقا إلى أداة في شبكة أوسع من الفساد؛ ما لم يجد العلاج والاحتواء والتأهيل المناسب.
ومن هنا يجب أن ندرك حقيقة مهمة كثيرا ما تُغفل في المعالجات الأمنية: المدمن في كثير من الحالات ضحية؛ قبل أن يكون جانيا.
نعم، يجب تطبيق القانون، ويجب حماية المجتمع؛ لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل يكفي أن نعتقل المدمن ثم نغلق الملف؟ فكم من مدمن أُلقي القبض عليه، ثم انتهى الأمر بسجنه أو معاقبته دون تحقيق جاد يكشف: من الذي باعه؟ ومن الذي دلّه؟ ومن الذي أغراه؟ ومن هي الشبكة التي تقف خلف وصول السم إلى يديه؟
إن الاقتصار على ملاحقة المدمنين يشبه معالجة أعراض المرض وترك أسبابه الحقيقية تنمو في الخفاء.
المعركة الحقيقية ليست مع شاب سقط في الإدمان؛ بل مع التاجر الذي يربح من سقوطه، ومع المهرب الذي يُدخل السموم إلى البلاد، ومع المروج الذي يتنقل بين الأحياء والمدارس والجامعات بحثا عن ضحايا جدد؛ ولذلك فإن الواجب على الجهات الأمنية أن تجعل أولويتها الكبرى الوصول إلى الرؤوس المدبرة والشبكات المنظمة، وأن تتعامل مع المدمن باعتباره مصدرا مهما للمعلومات يمكن أن يقود إلى كشف سلاسل التهريب والترويج؛ لا مجرد رقم يُضاف إلى سجلات الاعتقال؛ فكل مدمن تم القبض عليه يحمل خيطا قد يقود إلى تاجر، وكل تاجر قد يقود إلى شبكة، وكل شبكة يتم تفكيكها تعني إنقاذ عشرات أو مئات الشباب من السقوط في المستنقع نفسه.
وفي المقابل؛ فإن نجاح المواجهة لا يعتمد على الأجهزة الأمنية وحدها؛ فالمعركة أوسع من ذلك بكثير:
– فالأسرة هي خط الدفاع الأول، حين تبني الثقة والحوار والاحتواء وتراقب الأبناء دون قسوة أو إهمال.
– والمسجد هو حصن الوعي والإيمان؛ حين يربط الشباب بالله ويغرس فيهم قيمة العقل ومسؤولية الإنسان عن نفسه ومستقبله.
– والمدرسة والجامعة هما ميدان الوقاية المبكرة، من خلال التوعية المستمرة وتنمية المهارات الحياتية وبناء الشخصية القادرة على مقاومة الضغوط والإغراءات.
– أما الإعلام، فمسؤوليته أن يكشف أساليب المروجين، وأن يواجه ثقافة التطبيع مع المخدرات، وأن يقدم للناس الوعي؛ بدل الإثارة، والحقيقة؛ بدل التزييف.
إن معركة المخدرات ليست معركة أمنية فحسب، ولا صحية فقط؛ بل هي معركة بناء إنسان. معركة لحماية العقل الذي هو أساس الدين والعلم والعمل والعمران؛؛ولهذا فإن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد المدمنين الذين تم اعتقالهم؛ بل:
– بعدد المروجين الذين تم كشفهم،
– وعدد الشبكات التي تم تفكيكها،
– وعدد الشباب الذين تم إنقاذهم،
– وعدد المتعافين الذين عادوا إلى حياتهم أفرادا صالحين نافعين.
فحين يُترك التاجر طليقا ويُلاحق الضحية وحدها؛ تستمر المأساة. أما حين تصل يد العدالة إلى من يصنعون هذه الكارثة ويتكسبون منها، وتُفتح أبواب العلاج والتأهيل أمام الضحايا؛ فإن المجتمع يكون قد وضع قدمه على الطريق الصحيح.
إن حماية العقول ليست قضية فردية؛ بل قضية وطن ومستقبل وأمة بأكملها. وكل جهد يُبذل لتجفيف منابع المخدرات وكشف مهربيها ومروجيها هو استثمار في أمن المجتمع واستقرار الأسرة ومستقبل الأجيال.
نسأل الله أن يطهر مجتمعاتنا من المخدرات وسائر الآفات، وأن يكشف شر المفسدين، وببطل كيد المجرمين،
ويقطع دابر المروجين والمهربين!
ودمتم سالمين!