ثمة غصة في القلب لا تزول كلما مرّ اسم لحج الحبيبة و مجدها العريق .. فهذه المحافظة التي كانت يوماً عنواناً للرقي و السيادة ، صارت اليوم شاهداً صامتاً على جريمة إهمالٍ مكتملة الأركان .
فقصور السلطنة العبدلية مثل: قصر الحجر ، قصر الروضة ، دار الحجر ، لم تكن مجرد مبانٍ من حجر و طين ، بل كانت تحفاً معمارية تنطق بالإبداع ، حيث امتزجت فيها فنون العمارة اليمنية الأصيلة باللمسات الشرق آسيوية ، فخرجت إلى العالم كلوحاتٍ مفتوحة تحكي قصة حضارة ، و تستقبل السياح من كل حدبٍ و صوب .
لقد كانت جدرانها لا تحرس القصور فقط ، بل تحرس ذاكرة أمة ، و تشهد على عصرٍ كان للحجر فيه لغة ، و للجمال فيه سلطة .
لكن ، و للأسف الشديد ، طالها ما يطال كل ما لا يملك من يدافع عنه : فقد طالها الإهمال الممنهج ، ثم التحويل العشوائي إلى مقرات حكومية باردة ، و من ثم الانحدار الأخير إلى منازل سكنية عادية ، و بهكذا تُسلب القصور روحها ، و يُنتزع من التاريخ بريقه ، و تتحول الشواهد الحية للمجد إلى جدرانٍ متصدعة لا يلتفت إليها أحد .
و نتيجة لذلك حق لنا أن نقول : إنها جريمة مزدوجة : قتلٌ للتاريخ ، ثم دفنٌ له دون جنازة تليق به .
فالقصور ليست حجارة ، بل أن القصور ذاكرة، و هوية ، و مرآة أمة ، و حين تُحوّل تحفة معمارية إلى مكتب بيروقراطي ، ثم إلى غرفة نوم ، فإننا لا نهدم جدراناً فقط ، بل نهدم جزءاً من شخصيتنا الوطنية .. إنها عملية اغتيال بطيئة للهوية ، تُرتكب بسكين اللامبالاة ، و على مرأى من الجميع ..و من يفرّط في تاريخه ، يفرّط في مستقبله مرتين : مرة حين يضيّع الأصل ، و مرة حين لا يجد له ظلاً يستظل به .
أجل ، لقد كانت هذه القصور مقصداً للرحالة و الباحثين و المصورين . كان العالم يأتي إلى لحج ليرى كيف يبني اللحجي الجمال ، و كيف يمزج بين الأصالة و الانفتاح .. أما اليوم، لا يزورها إلا الإهمال ، و لا يسكنها إلا الصمت ، و لا يلتقط صورها إلا الغبار ، فأي خسارة أكبر من أن تتحول مدينة كانت تُصدّر الجمال إلى مدينة تستجدي الاهتمام ؟
و بعد أن كانت لحج متحفاً مفتوحاً على السماء ، أصبحت سجلاً مغلقاً على الرفوف .
فيا ترى هل آن الأوان ليعاد لهذه القصور و غيرها من المعالم التاريخية في لحج الاعتبار ؟
هل آن الأوان أن نستفيق من سباتنا قبل أن يبتلع النسيان آخر ما تبقى من ملامحنا ؟
و بهذا الصدد نحب أن نؤكد أن إعادة الاعتبار لا تعني الترميم و الطلاء فقط ، بل تعني استعادة الكرامة .. تعني أن نقول للأجيال القادمة : هذا تاريخكم ، هذا مجدكم، هذا ما صنعه أجدادكم .
إن الأمم التي لا تحرس تراثها ، لا تملك مستقبلاً تحرسه ، و من لا يعرف من أين أتى ، سيتوه إلى أين يذهب .. فالتراث ليس ترفاً للمتاحف ، بل هو صمام الأمان للهوية في زمن العولمة و الذوبان .
و في الختام ، نقولها بالفم المليان : يا سادة ، إن ترميم قصرٍ واحد في لحج أهم من ألف خطاب ، و إنقاذ معلمٍ تاريخي أبلغ من ألف وعد .. فالوطن الذي يبيع تاريخه من أجل الحاضر المؤقت ، سيكتشف غداً أنه بلا حاضر و لا ماضٍ ، و يصبح بلا عنوان في خرائط الأمم .
إن قصور لحج تناديكم .. تناديكم بلسان الحجر ، و بصوت السلطنة العبدلية ، و بدمعة المهندس الذي بناها .. تناديكم لأنها تعبت من أن تكون ديكوراً مهجوراً في صورة قديمة ، و تريد أن تعود حكاية تُروى بفخر لا بحسرة ، فهل من مجيب ؟ أم سنترك المجد يموت للمرة الثانية .. موتاً بلا ضجيج ؟
لحج تستحق أن تُستعاد ، و تاريخها يستحق أن يُصان .. قبل أن يتحول كل شيء إلى حكاية تُروى للأحفاد : كان هنا قصرٌ اسمه الروضة ، و كان هنا وطنٌ اسمه الجمال .