حين تضيق الأرض بأهلها ، و يشح الرزق في يد طالبه ، و يضطرب الأمن في دياره ، يهرع الناس يبحثون عن شماعة يعلقون عليها مآسيهم .. هذا يلعن الحاكم ، و ذاك يشتم الزمان ، و الثالث يتهم المؤامرات .. لكن الحقيقة التي تهرب منها العيون ، و يصم عنها الآذان ، تقولها السنن الكونية بلا مجاملة : " كما تكونوا يُولّى عليكم " ، و " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " .
فلنكن صرحاء مع ذواتنا و لو لمرة واحدة .. فما نعيشه اليوم من شظف عيش ، و غلاء فاحش ، و عدم استقرار يضرب كل مناحي الحياة ، ليس صدفة عمياء ، و لا مؤامرة كونية وحدها .. بل هو انعكاس دقيق لما في الصدور ، و نتاج حتمي لما زرعته الأيدي .
فحين ابتعدنا عن الله ، ابتعدت عنا البركة .. و حين هجرنا الصدق ، هجرنا الرزق .. و حين استحللنا الغش في البيع ، و الرشوة في المعاملة ، و الكذب في الحديث ، و قطع الأرحام ، و أكل مال اليتيم ، و الظلم بيننا .. جاءنا حكام من جنس أعمالنا ، و ضيق من جنس قلوبنا ، و خوف من جنس نوايانا .
إن الله عدل لا يظلم .. لا يسلط ظالمًا على قوم صالحين ، ولا ينزع الأمن من أمة تتقيه .. و ما أصابنا من ضيق هو رسالة من السماء تقول : " توقفوا .. انظروا في مراياكم .. أصلحوا ما فسد في داخلكم ، يصلح لكم خارجكم " .
أجل ، أننا نخطئ حين نظن أن تغيير الحاكم وحده سيغير الحال ، أو أن تبديل الحكومة سيفتح أبواب الجنة .. إذ أن الحاكم مرآة للمحكوم .. إن كنا صالحين سخر الله لنا الصالح ، و إن كنا فاسدين ابتلانا بمن هو أظلم .
المشكلة ليست في الكرسي ، بل فيمن يصنع الكرسي .. ليست في القوانين المكتوبة ، بل في الضمائر الميتة .. فما قيمة أفضل دستور إذا كان الشعب أول من يخرقه ؟ و ما نفع أنزه قاضٍ إذا كان الشاهد يكذب ، و الخصم يرشي ، و المجتمع يصفق للظالم ؟
شظف العيش الذي نكتوي بناره اليوم ، هو " فاتورة " تراكمات من الذنوب الصغيرة التي استصغرناها : موظف لا يتقن عمله ، تاجر يغش في الميزان ، جار يؤذي جاره ، ابن يعق والديه ، مسؤول ينهب ، و مواطن يصمت عن الحق .
و لهذا لا يمكن إصلاح أحوالنا ببيانات الشجب ، و لا بمظاهرات الغضب ، و لا بانتظار " المخلص " .. الإصلاح يبدأ من هنا .. من داخلك .. من وقفة صدق تسأل فيها نفسك : ماذا قدمت لهذا الوطن غير الشكوى ؟ ماذا غيرت في نفسك قبل أن تطالب بتغيير غيرك ؟
1. أصلح ما بينك و بين الله .. تقم الصلاة، وتؤدِ الزكاة ، و تترك الحرام ، و تأمر بالمعروف .. فمن كان مع الله ، كان الله معه .. و من نصر الله ، نصره الله ..
2. أصلح ما بينك و بين الناس .. أعد الحقوق إلى أهلها، صل رحمك ، اصدق في قولك ، أتقن عملك ، ارحم الضعيف ، قف مع المظلوم .. فالمجتمع الذي يرحم بعضه ، يرحمه الله .
3. أصلح ما بينك و بين نفسك .. طهر قلبك من الحقد و الحسد و الكبر .. ازرع فيه حب الخير للناس ، و الإخلاص للوطن ، و الخوف من يوم تقف فيه بين يدي الله وحيدًا .
إن الله سبحانه و تعالى لا يغير الجوع إلى شبع ، و لا الخوف إلى أمن ، و لا الذل إلى عز ، حتى نغير ما بأنفسنا من ذل المعصية إلى عز الطاعة ، و من جوع القلوب إلى شبعها بالإيمان ، و من خوف الفرقة إلى أمن الوحدة على الحق .
فكفى بكاءً على اللبن المسكوب .. و كفى تعليقًا للفشل على مشاجب الآخرين .. فالوطن لا ينهض بالشعارات ، بل بالساجدين الصادقين . و لا يستقر بالخطب الرنانة ، بل بالأكف النظيفة و القلوب السليمة .
إن الله لا يخلف وعده ..
فهذه هي سنة الله في الكون ، و لن تجد لسنة الله تبديلًا .. أصلحوا بواطنكم ، تصلح لكم ظواهركم .. طهروا قلوبكم ، تطهر لكم أرزاقكم .. عودوا إلى الله ، يعد إليكم عزكم و أمنكم و رغد عيشكم .
فالجزاء من جنس العمل .. فإن كنتم تريدون حاكمًا عادلًا ، كونوا رعية عادلة .. و إن أردتم رزقًا واسعًا ، وسعوا أخلاقكم .. و إن اشتقتم للأمن ، انشروا الأمان بينكم .
المعادلة واضحة كالشمس : غيروا ما بأنفسكم .. يغير الله ما بكم . و من أصدق من الله قيلًا ؟