يتردد في النقاشات السياسية العربية حديث متكرر عن الفراغ الإقليمي الذي قد ينشأ إذا تراجع النفوذ الإيراني أو سقط نظام الملالي في طهران.
هذه الفكرة تُطرح أحيانا بوصفها تحذيرا من اختلال ميزان القوى في المنطقة، وكأن إيران كانت تمثل خلال العقود الماضية عنصر توازن يحول دون هيمنة قوى أخرى، غير أن مراجعة بسيطة لما جرى في الشرق الأوسط خلال الأربعين عاما الماضية تكشف أن هذا الطرح يقوم على قراءة مضللة للواقع.
إيران لم تمارس دورا يهدف إلى تحقيق التوازن الإقليمي، وما حدث كان توسعا مستمرا لنفوذها عبر التدخل المباشر وغير المباشر في الشؤون الداخلية للدول العربية. هذا النفوذ لم يتخذ شكل علاقات طبيعية بين دول، بل تجسد في شبكات من الميليشيات والتنظيمات المسلحة التي ارتبطت بطهران سياسيا وعسكريا، وأصبحت أدوات ضغط داخل دول ذات سيادة.
في العراق وسوريا ولبنان واليمن ظهرت هذه الصيغة بوضوح، فبدلا من أن تسعي ايران الى نسج علاقات طبيعية مع مؤسسات الدول الوطنية، أنشأ نظام الملالي مراكز قوة موازية وجماعات مرتبطة بمشروع الولي الفقيه، ومولت تلك الجماعات بالأموال والسلاح، وبرعية ايرانية هذه المراكز فرضت معادلات سياسية جديدة، وأضعفت قدرة الدول على اتخاذ قراراتها بشكل مستقل، ومع مرور الوقت تحولت تلك الدول إلى ساحات صراع إقليمي، تتداخل فيها الحسابات المحلية مع حسابات القوى الخارجية.
لم يكن أثر هذا التمدد محدودًا في نطاق النفوذ السياسي فقط. فقد أدى إلى تعميق الانقسامات الاجتماعية والطائفية داخل المجتمعات العربية. كما ساهم في إضعاف بنية الدولة الوطنية عبر تعزيز دور الجماعات المسلحة خارج إطار المؤسسات الرسمية. هذا النمط من النفوذ أنتج حالة من عدم الاستقرار الدائم، وأدى إلى تآكل مفهوم السيادة في عدد من الدول.
من هنا يبدو الحديث عن الفراغ الذي قد يتركه تراجع إيران في المنطقة طرحا مثيرا للتساؤل: أي فراغ يقصد أصحاب هذا الخطاب؟ هل الفراغ المقصود هو غياب الميليشيات التي أصبحت تتحكم في القرار السياسي داخل بعض العواصم العربية؟ أم المقصود هو اختفاء شبكات النفوذ التي حولت دولا كاملة إلى ساحات صراع بالوكالة؟
الحقيقة أن كثيرا من مظاهر الضعف التي أصابت النظام الإقليمي العربي خلال العقود الماضية ارتبطت مباشرة بهذا التمدد، فانتشار الجماعات المسلحة العابرة للحدود، وتصاعد الصراعات الطائفية، وانهيار مؤسسات الدولة في بعض البلدان، كلها عوامل أسهمت في إضعاف المنطقة وفتح المجال أمام اختلال التوازن الإقليمي.
ومن المفارقات أن بعض التيارات السياسية والباطنية العربية تعاملت مع هذا التمدد بنوع من التبرير أو التغاضي. فقد قدمت قطاعات من اليسار والقوميين، إلى جانب بعض تنظيمات الإسلام السياسي، النفوذ الإيراني بوصفه جزءًا من محور مقاومة في مواجهة الهيمنة الغربية أو الإسرائيلية. غير أن هذه القراءة تجاهلت حقيقة أساسية: إيران كانت في الوقت نفسه تنتهك سيادة الدول العربية وتفرض نفوذها داخلها عبر أدوات عسكرية وسياسية.
خلال السنوات الأخيرة بدأت ملامح هذا المشروع تتعرض لاختبارات قاسية. فالمحور الذي بنت عليه إيران نفوذها في المنطقة يواجه ضغوطا متزايدة، وتراجعت قدرة هذا المحور على فرض معادلات القوة كما كان يحدث في مراحل سابقة. التطورات المتلاحقة كشفت هشاشة كثير من البنى التي قام عليها هذا المشروع، وأظهرت أن الخطاب الذي قدمه بوصفه قوة إقليمية صلبة كان يخفي في داخله أزمات عميقة.
في المقابل يظل الموقف العربي العام قائمًا على رفض العدوان والحروب في المنطقة، هذا الموقف يستند إلى مبدأ واضح يتمثل في احترام سيادة الدول ورفض استخدام القوة لفرض النفوذ، غير أن التناقض يظهر عندما يتسامح بعض الخطاب السياسي مع انتهاك إيران لسيادة الدول العربية، بينما يرفع شعار السيادة فقط عندما يتعلق الأمر بطهران.
إن معالجة اختلالات المنطقة لا يمكن أن تتم عبر استبدال نفوذ خارجي بآخر، ولا عبر القبول بمشاريع توسعية تفرضها قوى إقليمية، الطريق الأكثر واقعية يتمثل في إعادة الاعتبار للدولة الوطنية، واحترام سيادة الدول، وبناء نظام إقليمي يقوم على التعاون والمصالح المشتركة بدلا من الصراعات بالوكالة وشبكات الميليشيات العابرة للحدود.
الشرق الأوسط لا يحتاج إلى قوة تملأ فراغًا متخيلا، بل يحتاج إلى استعادة توازن يقوم على استقلال القرار الوطني للدول واحترام حدودها وسيادتها. عندما يتحقق ذلك، ستتراجع تلقائيا الحاجة إلى كل الخطابات التي تتحدث عن الفراغ، لأن الفراغ الحقيقي لم يكن غياب النفوذ الإيراني، بل كان غياب الدولة القادرة في عدد من بلدان المنطقة.