بين رفوف المحلات التي تتغير أسعارها، ومواطن يواجه فاتورة معيشية تتزايد يوماً بعد آخر، تتصاعد التساؤلات في العاصمة عدن حول أسباب ارتفاع أسعار السلع الأساسية، وضعف الرقابة على الأسواق، وغياب دور أكثر فاعلية للغرفة التجارية والصناعية في ضبط العلاقة بين التجار والمستهلكين.
لم تعد مشكلة ارتفاع الأسعار في عدن مجرد شكاوى عابرة يتداولها المواطنون في الأسواق ومواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبحت قضية معيشية يومية تثقل كاهل الأسر، وتفرض تساؤلات جدية حول آليات التسعير، ومستوى الشفافية في عمليات البيع، ومدى التزام التجار بالأسعار العادلة.
واللافت أن هذه المخاوف تتواصل رغم استقرار سعر صرف العملة المحلية خلال الفترة الأخيرة، الأمر الذي يجعل من الضروري البحث عن عوامل أخرى تقف وراء الارتفاعات السعرية، وعدم تحميل المستهلك وحده تبعات أي زيادات يقررها بعض التجار دون توضيح مبرراتها.
أسعار ترتفع.. وفجوة بين التكلفة وسعر البيع
تُظهر مؤشرات رصد الأسواق في عدن تفاوتاً ملحوظاً في أسعار بعض السلع الأساسية بين مديرية وأخرى، بل وبين المحلات التجارية في المنطقة الواحدة.
ووفق تقرير منصة «رادار عدن» للنصف الأول من أكتوبر 2026، ارتفع متوسط سعر لتر زيت الطبخ من نحو 2,690 ريالاً إلى قرابة 3,900 ريال، بزيادة تقارب 45% مقارنة بالفترة المرجعية السابقة. كما ارتفع الحد الأدنى لسعر كيس الدقيق زنة 50 كيلوغراماً من 32 ألف ريال إلى 45 ألفاً، فيما سجلت بعض الأسعار تفاوتاً واسعاً بين المديريات.
هذه الأرقام تفتح باباً مهماً للنقاش: هل تعكس الزيادات ارتفاعاً حقيقياً في تكاليف الاستيراد والنقل والتوزيع؟ أم أن جزءاً منها يرتبط بالمبالغة في هوامش الأرباح وغياب المنافسة والرقابة الفاعلة؟
فمن حق التاجر تحقيق هامش ربح مشروع، لكن ليس من حق أي طرف استغلال حاجة الناس أو فرض أسعار غير مبررة مستفيداً من غياب المتابعة والمحاسبة.
الغرفة التجارية.. أين صوتها في معركة الأسعار؟
تُعد الغرفة التجارية والصناعية في عدن ممثلاً للقطاع الخاص التجاري والصناعي والخدمي، ويحدد قانون الغرف التجارية والصناعية رقم (28) لسنة 2003 طبيعة عملها في تنظيم ورعاية مصالح أعضائها وتمثيلهم أمام الجهات الحكومية، وإبداء الرأي في القضايا التجارية والاقتصادية.
لكن السؤال الذي يطرحه المواطن اليوم ليس متعلقاً فقط بطبيعة اختصاصات الغرفة، بل بمدى حضورها الفعلي في معالجة أزمة الأسعار.
أين الدراسات الدورية التي توضح أسباب ارتفاع أسعار السلع؟ وأين البيانات التي تكشف الفارق بين أسعار الاستيراد وتكاليف النقل والتخزين وأسعار البيع للمستهلك؟
وأين المبادرات التي تجمع كبار المستوردين وتجار الجملة والتجزئة للوصول إلى آليات تسعير شفافة وعادلة؟
إن الغرفة التجارية ليست جهازاً تنفيذياً للضبط القضائي، ولا تحل محل وزارة الصناعة والتجارة، لكن ذلك لا يعفيها من مسؤوليتها المهنية والأخلاقية في تمثيل قطاعها، وتعزيز المنافسة، ومواجهة الممارسات التي تسيء إلى سمعة النشاط التجاري وتضر بالمستهلك.
فالدور المنتظر منها يتجاوز إصدار البيانات واللقاءات البروتوكولية إلى تقديم مبادرات اقتصادية ملموسة، وإصدار نشرات استرشادية للأسعار، وفتح قنوات تواصل مع المستهلكين، وممارسة دور الوساطة بين التجار والجهات الرسمية.
الرقابة الحكومية.. توجيهات لا تكفي دون نتائج
من الناحية القانونية، تقع مسؤولية الإشراف على الأسواق ومراقبة أسعار السلع وحماية المستهلك على عاتق وزارة الصناعة والتجارة والجهات المختصة، بالتنسيق مع السلطات المحلية والغرف التجارية.
وتنص اختصاصات الوزارة المنشورة رسمياً على مراقبة الأسواق، وتعزيز المنافسة، ومنع الاحتكار والاستغلال والغش التجاري، واستقبال شكاوى المواطنين والتحقيق فيها.
وفي 29 أكتوبر الماضي، أعلن مكتب الصناعة والتجارة في عدن توجيهات بتكثيف النزولات الميدانية إلى الأسواق ومخازن الجملة والتجزئة، والتحذير من التلاعب بالأسعار والاحتكار وحجب السلع عن التداول، مع التأكيد على إحالة المخالفين إلى الجهات القضائية.
كما أعلن المكتب تخصيص الرقم المجاني (8000183) لاستقبال شكاوى المواطنين، ورقم واتساب (02249730).
لكن السؤال الذي يظل مطروحاً: ما مدى استمرارية هذه الحملات؟ وكم مخالفة تم ضبطها؟ وكم تاجراً تمت إحالته إلى النيابة؟ وهل انعكست هذه الإجراءات فعلياً على أسعار السلع في الأسواق؟
فالمواطن لا يحتاج إلى سماع المزيد من التوجيهات والتحذيرات بقدر حاجته إلى نتائج يلمسها عند شراء احتياجات أسرته.
المواطن الحلقة الأضعف
في ظل محدودية الدخل وعدم مواكبة الرواتب للارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة، تجد كثير من الأسر نفسها مضطرة إلى تقليص مشترياتها أو الاستغناء عن بعض احتياجاتها الأساسية.
وقد رصد تقرير نشرته قناة الجزيرة في أكتوبر 2026 هذه المعاناة في عدن، مشيراً إلى أن بعض المتسوقين باتوا يشترون كميات أقل من الأرز والمواد الغذائية، ويتجهون إلى المنتجات الأرخص، فيما تلجأ أسر إلى الشراء بالدين لتغطية احتياجاتها حتى نهاية الشهر.
وهنا تتجاوز القضية حدود الأرقام والأسعار، لتصبح قضية تتعلق بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي، وبحق المواطن في الحصول على احتياجاته الأساسية بأسعار عادلة.
ما المطلوب لمعالجة المشكلة؟
إن معالجة أزمة الأسعار في عدن تتطلب الانتقال من ردود الأفعال الموسمية إلى منظومة رقابية واقتصادية مستمرة، تقوم على خطوات عملية، أبرزها:
1. تفعيل دور الغرفة التجارية: إصدار نشرات دورية استرشادية لأسعار السلع الأساسية، ومتابعة الفوارق بين أسعار الاستيراد والجملة والتجزئة.
2. الشفافية في التسعير: إلزام المحلات التجارية بإشهار الأسعار بوضوح، وتوضيح أسباب أي زيادات جديدة.
3. الرقابة على كبار المستوردين وتجار الجملة: لأن الرقابة على محلات التجزئة وحدها لا تعالج المشكلة إذا كانت الزيادات تبدأ من حلقات التوريد الأولى.
4. نشر نتائج الحملات الرقابية: إعلان عدد المخالفات والمحاضر والغرامات والإحالات القضائية بصورة دورية، حتى يعرف المواطن أن الرقابة ليست مجرد تصريحات.
5. مواجهة الاحتكار والتلاعب: تطبيق القوانين على الجميع دون استثناء، وضمان عدم استغلال حاجة المواطنين أو التحكم في المعروض من السلع.
6. فتح قنوات للشكاوى: إشراك المواطنين في رصد المخالفات السعرية، والتعامل الجاد مع البلاغات والتحقق منها.
الخلاصة.. من يحاسب من؟
إن استقرار الأسواق مسؤولية مشتركة، لكنها ليست مسؤولية متساوية.
فالتاجر مسؤول عن الالتزام بالمنافسة المشروعة وعدم استغلال المستهلك، والغرفة التجارية مسؤولة عن تمثيل القطاع الخاص وتعزيز انضباطه المهني، بينما تتحمل الجهات الحكومية مسؤولية الرقابة والتنفيذ والمحاسبة.
أما استمرار ارتفاع الأسعار دون شفافية كافية، وفي ظل ضعف شعور المواطن بفاعلية الرقابة، فإنه يضع مصداقية المؤسسات المعنية أمام اختبار حقيقي.
لسنا أمام مطالبة بالتدخل في حرية التجارة أو حرمان التجار من أرباحهم المشروعة، وإنما أمام مطالبة واضحة بسوق منضبط، وأسعار مبررة، ومنافسة عادلة، ورقابة لا تستثني أحداً.
فمن حق التاجر أن يربح، ومن حق المواطن ألا يكون ضحية لجشع بعض التجار أو غياب الرقابة.
ويبقى السؤال الذي ينتظر المواطنون إجابة واضحة عنه: متى تتحول مسؤولية الغرفة التجارية والجهات الرقابية في عدن من الأدوار النظرية والتصريحات الرسمية إلى نتائج حقيقية يشعر بها المواطن في حياته اليومية؟