في زمن الأزمات والحروب لا يكون الإعلام مجرد مهنة ولا يكون القلم أداة لنقل الأخبار فحسب بل يتحول إلى جبهة حقيقية تدور فيها معركة الوعي قبل أن تدور معركة السلاح لأن الكلمة الصادقة تستطيع أن ترفع معنويات المقاتلين وتجمع الناس وتكشف التضليل بينما تستطيع الكلمة غير المسؤولة أن تهدم الثقة وتزرع الخوف والانقسام واليأس ومن هنا جاءت أهمية اللقاء التشاوري الموسع للصحفيين والإعلاميين في المنطقة الوسطى الذي احتضنته مدينة لودر تحت عنوان الإعلام في مواجهة الأزمات بدعوة من مكتب الإعلام بمحافظة أبين بقيادة الدكتور ياسر باعزب وبمشاركة نخبة من الصحفيين والإعلاميين والناشطين والمؤثرين وكان لقاء يتجاوز حدود المناسبة إلى محاولة لإعادة البوصلة الإعلامية إلى مكانها الصحيح في مرحلة استثنائية تحتاج إلى إعلام يعرف خطورة الكلمة ويعرف أن ما يكتب اليوم قد تكون له آثار تتجاوز حدود الشاشة إلى الشارع والجبهة والمجتمع
لقد أكد اللقاء أن الإعلامي في زمن الأزمات يجب أن يكون أكثر وعيًا بمسؤوليته الأخلاقية والمهنية والوطنية وأن يجعل مخافة الله نصب عينيه قبل أي حساب آخر فلا يصبح أسيرًا لحزب أو منطقة أو جماعة أو مصلحة عابرة فالسياسة تتغير واللافتات تسقط والتحالفات تتبدل لكن الكلمة تبقى شاهدة على صاحبها والإعلام الذي لا يستطيع أن يحمل السلاح في الجبهة يستطيع أن يحمل موقفًا بقلمه وموقعه وصحيفته ومنصته وإذا لم يستطع أن يقدم شيئًا للرجال الذين يقفون في الصفوف الأولى فعليه على الأقل ألا يتحول إلى مصدر إحباط لهم أو إلى منصة للشائعات والبلابل والقلاقل فهناك فرق شاسع بين النقد المسؤول الذي يصحح الأخطاء وبين خطاب يهدم المعنويات ويزرع اليأس وبين كشف الحقيقة وبين صناعة الفوضى وبين الاختلاف السياسي وبين تحويل الخلاف إلى معركة داخلية يستفيد منها الخصم
وفي مواجهة مليشيات الحوثي الإرهابية لا تقل أهمية القلم عن أهمية أي وسيلة أخرى من وسائل المواجهة لأن الحوثيين لا يعتمدون على القوة العسكرية وحدها بل يخوضون معركة واسعة على الوعي من خلال الدعاية والشائعات وتزييف الحقائق ومحاولة تقديم مشروعهم بصورة مختلفة عن واقعه ولذلك فإن مواجهة هذا الخطاب تحتاج إلى إعلام مهني يمتلك المعلومة الدقيقة والحجة الواضحة والقدرة على كشف التضليل ووضع الحقائق أمام الناس فالقلم يستطيع أن يهزم رواية كاذبة وأن يفضح شائعة وأن يكشف تناقض خطاب التضليل وأن يرفع معنويات المقاتلين ويذكر المجتمع بتضحياتهم ويمنع الخصم من احتكار مساحة الوعي ولهذا فإن الصحفي الذي يكتب بمسؤولية لا يقف خارج المعركة بل يخوض واحدة من أهم معاركها لأن حماية عقول الناس من التضليل هي في جوهرها حماية للمجتمع من الانقسام واليأس
ولا يسعني هنا إلا أن أسجل كلمة تقدير وإشادة للقاء التشاوري الذي احتضنته لودر وللدور الذي يضطلع به الزميل الدكتور ياسر باعزب مدير عام مكتب الإعلام بمحافظة أبين والذي أثبت أن الإعلام حين يتحول من مجرد مكاتب وأوراق إلى حضور ميداني وتواصل مباشر مع الصحفيين والإعلاميين يصبح قادرًا على صناعة الفارق فمثل هذه اللقاءات ليست ترفًا ولا نشاطًا عابرًا بل حاجة تفرضها طبيعة المرحلة وتحدياتها وهي خطوة في الاتجاه الصحيح نحو بناء صف إعلامي أكثر تماسكًا ووعيًا ومسؤولية كما أن كل التحية والتقدير للزملاء الصحفيين والإعلاميين والناشطين الذين حضروا وشاركوا وقدموا رؤاهم وأفكارهم وأثبتوا أن أبين تمتلك أقلامًا حية وواعية وقادرة على الوقوف في الصف الوطني بقوة ومسؤولية فحين يجتمع أصحاب الكلمة على هدف نبيل تتجاوز رسالتهم حدود القاعة وتصل إلى المجتمع والجبهة وكل من ينتظر من الإعلام أن يكون صوتًا للحقيقة وسندًا للوعي وحصنًا في وجه التضليل
إن ما طرح في لقاء لودر من أفكار لتوحيد الجهود الإعلامية وإنشاء غرفة عمليات للرصد والتحقق من الأخبار وإطلاق منصات توعوية ومواجهة حملات التضليل يمثل اتجاهًا يمكن البناء عليه إذا انتقل من التوصيات إلى العمل الفعلي وهنا تبرز أهمية الجهد الذي يبذله مكتب إعلام أبين بقيادة الدكتور ياسر باعزب في النزول إلى المديريات والاقتراب من الإعلاميين وفتح قنوات التنسيق بينهم لأن الإعلام لا يمكن أن يواجه أزمات بهذا الحجم بعقلية المكاتب المغلقة ولا بمنشورات ردود الأفعال بل يحتاج إلى تنظيم ورصد وتنسيق ومعلومة دقيقة وخطاب يعرف متى يتحدث وكيف يتحدث كما أن هذه المرحلة تفرض على وزارة الإعلام أن تكون أكثر حضورًا في المحافظات وأكثر دعمًا للإعلاميين والمؤسسات الإعلامية المحلية لأن ترك الإعلاميين يواجهون هذا الكم الهائل من الشائعات والتضليل بمفردهم لا يخدم المجتمع ولا يعزز قدرة الإعلام على القيام بدوره في الأزمات
وفي النهاية يجب أن ندرك أن الحرب لا تدور في الجبهات وحدها فهناك حرب أخرى تدور داخل العقول حرب على الوعي وحرب على الحقيقة وحرب على ثقة الناس ببعضهم البعض ولهذا فإن الصحفي والإعلامي ليس متفرجًا على المشهد وإنما شريك في صناعة تأثيره وقد لا تكون في يده بندقية لكنه يملك قلمًا قد يرفع معنويات مقاتل وقد يمنع فتنة وقد يكشف شائعة وقد يعيد الثقة إلى مجتمع كامل ولذلك فإن الإعلام في زمن الأزمات ليس مجرد نقل لما يحدث بل هو جزء مما يحدث والإعلامي الحقيقي هو من يعرف أن قلمه قد يكون خندقًا يحمي الوعي أو ثغرة يدخل منها اليأس والانقسام والتضليل وعندما تصبح الكلمة موقفًا ويصبح القلم جبهة عندها فقط يدرك الإعلامي أنه لا يقف بعيدًا عن المعركة بل يقف في أحد أهم مواقعها