يحكى أن مزارعًا ألقى خنزيرًا نافقًا في بئرٍ عميقة، فلم تمضِ لحظات حتى تنافست الفئران على الجيفة واندفعت إليها في سباقٍ محموم، وكأنها وجدت كنزًا لا يُعوَّض.
أكلت حتى شبعت، لكنها حينما أرادت الخروج اكتشفت الحقيقة المُرّة...
لقد كانت الجيفة طُعمًا، وكان البئر فخًا.
ومع مرور الأيام بدأ الجوع يفتك بها، فتحول رفاق الأمس إلى أعداء اليوم، وأخذت الفئران يأكل بعضها بعضًا، حتى لم يبقَ في قاع البئر سوى فأرٍ واحد.
عندها فقط أنزل المزارع حبلًا فتسلّقه الفأر بصعوبة حتى خرج منهكًا لا يكاد يقوى على الحركة.
أمسك به المزارع، ثم أطلقه في المزرعة... لكنه لم يعد ذلك الفأر الذي دخل البئر...
فقد خرج يحمل في داخله وحشًا.
صار يطارد كل فأرٍ يلقاه ويقتله، ناسيًا أن الجميع كانوا ضحايا الفخ نفسه، وأن القاتل الحقيقي لم يكن في البئر، بل كان يقف على حافتها منذ البداية.
ليست هذه مجرد حكاية عن فئران وبئر وجيفة، بل هي الخريطة المختصرة لكثيرٍ من مآسي العالم.
فهكذا تُدار الحروب... لا يبدأ الأمر بإطلاق الرصاص، بل بإلقاء جيفة في وسط الناس... جيفة الطائفية، أو العنصرية، أو الجهوية، أو التعصب، أو الكراهية أو أو ...
ثم يتراجع مشعلو الفتن إلى مقاعدهم الوثيرة، وينتظرون المشهد.
يتقاتل الإخوة، وتُهدم البيوت، ويُيتم الأطفال، وتترمل النساء، وتغرق الأوطان في الدم، بينما الذين أشعلوا النار لا يحترق منهم إصبع.
يكتفون بالتصفيق من خلف الستار، ويعدّون الأرباح، ويتقاسمون الغنائم، ويوقعون صفقات السلاح وإعادة الإعمار على أنقاض المدن التي ساهموا في إحراقها.
يا لها من مهزلة!!!!
ما أسهل أن تُقنع الجائع بأن عدوه هو جاره الجائع، وما أصعب أن يكتشف الاثنان أن من سرق رغيفهما واحد، وأن من حفر البئر، وألقى الجيفة، وأغلق باب النجاة، هو ذاته الذي يجلس الآن فوق التل يراقب المشهد، ويضحك حتى تدمع عيناه من فرط المتعة.
إن أعظم انتصارٍ يحققه تجار الحروب ليس احتلال مدينة، بل احتلال عقل الإنسان؛ أن يقنعوه بأن خصمه هو شقيقه، وأن خلاصه لا يكون إلا بإفنائه، بينما يبقى المستفيد الحقيقي بعيدًا عن ساحة المعركة، نظيف الثياب، ممتلئ الخزائن، يتنقل بين موائد السياسة وصفقات المصالح، وقد بنى مجده فوق جماجم الأبرياء.
إنهم لا يلقون الشعوب في الحروب، بل يلقون بينها الفتات، ثم يراقبونها وهي تتصارع عليه حتى آخر قطرة دم.
فإذا انتهت المعركة، نزلوا بهدوء ليجمعوا ما تبقى من الأوطان، كما يجمع اللص غنائمه بعد انطفاء الحريق.
ويلٌ لأمةٍ تنشغل بقتال أبنائها، وتنسى اليد التي دفعتها إلى القتال.
وويلٌ لشعبٍ يستهلك كل قوته في معارك داخلية، بينما يصفق له خصومه من بعيد... ويبتسمون كلما ازداد انقسامه، لأنهم يدركون أن الأمة التي تأكل نفسها، لن تحتاج إلى عدوٍ يهزمها.
إن أخطر الأسلحة في هذا العصر ليست المدافع ولا الصواريخ، بل القدرة على صناعة الكراهية، وتحويل الضحية إلى جلاد، والأخ إلى عدو، والوطن إلى ساحةٍ مفتوحة لتجار الدم.
فإذا رأيت من يلقي بين الناس فتات الفتنة، فاعلم أنه لا يريد لهم الشبع، بل يريدهم أن يبقوا في قاع البئر... يتقاتلون، بينما هو في الأعلى يضحك، ويقتسم الغنائم.
"في كل حربٍ أهلية... هناك دائمًا من حفر البئر، وألقى الجيفة، ثم جلس بعيدًا عن الدم، يعدُّ الأرباح."
أفيقوا أيها اليمنيون... ولا تجعلوا بنادقكم تُدار ضد صدوركم، ولا تسمحوا لتجار الحروب، وموقدي الفتن، ومشعلي النعرات، أن يحوّلوا أبناء الوطن إلى وقودٍ لمعاركهم.
ففي الوقت الذي يقتل فيه يمنيٌّ جائعٌ أخاه اليمنيَّ الجائع.....
هناك من يراقب تلك المهزلة ويحسب الأرباح ... فإذا ما خفت لهيب النار... صبَّ عليها قليلًا من الزيت لتزداد اضطرامًا.
فلا تمنحوا من حفر البئر نصرًا مجانيًا، ولا تجعلوا من دمائكم جسرًا يعبر عليه إلى ثروته وسلطانه.
واجعلوا وعيكم هو السلاح الذي يفضح الفخ، ويكشف صانعيه، ويحفظ للوطن وحدته، وللإنسان إنسانيته.