كان هيثم جندياً يتبع وزارة الدفاع، واحداً من أولئك الجنود الذين تستقطع أجزاء من رواتبهم، فلا يصل إليهم سوى راتب ضئيل، بالكاد يكفي لسد أبسط متطلبات الحياة. تراكمت عليه الديون، وأحاطت به الهموم من كل جانب، وتأخر زواجه بسبب ظروفه المعيشية الصعبة، شأنه شأن كثيرين من الجنود الذين انهكتهم الظروف المعيشة...
وفي خضم تلك الظروف، مرضت والدته، وأصبحت بحاجة إلى الدواء بشكل عاجل، لم يجد هيثم أمامه سوى الحل الذي اعتاد عليه في مرات سابقة، أن يأخذ الدواء بالدين حتى تتحسن ظروفه ويتمكن من السداد، توجه إلى الصيدلية المعتادة ياخذ منها، لكنه فوجئ برد لم يكن يتوقعه. قال له عامل الصيدلية بأسف اعذرني يا هيثم، صاحب الصيدلية رفض إعطاء الدواء بالدين، وأنا مجرد عامل ولا أملك القرار.
خرج هيثم مكسور الخاطر، مثقلاً بالحزن والهم، بعدما أغلقت في وجهه أبواب الحلول، وبينما كان يسير في الطريق، سقط مغشياً عليه، ولم يمهله القدر طويلاً، ليفارق الحياة، تاركاً والدته على سرير المرض تنتظر عودته بفارغ الصبر وهو يحمل لها الدواء، لكن القدر كان أسرع.
رحل هيثم تاركاً خلفه ديوناً متراكمة، وراتباً هزيلاً، وأسرة تواجه مستقبلاً مجهولاً مليئاً بالمعاناة، لتبقى حكايته شاهداً على قسوة الظروف التي قد تدفع الإنسان إلى حافة الانكسار.
هذه القصة ليست واقعة حقيقية، بل هي من وحي الكاتب، لكنها تحاكي واقعاً يعيشه كثير من الجنود والمتقاعدين الذين أنهكتهم الظروف، وأثقلتهم الديون، وأصبحوا عاجزين عن توفير أبسط مقومات الحياة.
إنها رسالة إلى كل من يملك القرار أو يستطيع مد يد العون، للنظر بعين الرحمة والإنصاف إلى معاناة هذه الفئات، والعمل على التخفيف من أعبائها، حتى لا تتحول مثل هذه الحكايات الرمزية إلى واقع يعيشه المزيد من الناس.