آخر تحديث :الثلاثاء-16 يونيو 2026-02:04ص

المؤتمر بين معركة الإنقاذ وصراع الورثة

الثلاثاء - 16 يونيو 2026 - الساعة 02:04 ص

د. فياض النعمان
بقلم: د. فياض النعمان
- ارشيف الكاتب

في بداية المقال اريد ان اقول رغم أنني لست من منتسبي المؤتمر الشعبي العام ولا أجد في حالة التصدع والانقسام التي يعيشها الحزب اليوم ما يدعو إلى الشماتة أو الرضا فإن القراءة الموضوعية للمشهد تكشف أن المؤتمر لم يعد التنظيم السياسي المتماسك والقادر على التأثير كما كان في السابق وفرص استعادة مكانته ونفوذه تبدو أكثر صعوبة ما دامت بعض القيادات تتعامل معه باعتباره أداة لحماية المصالح الشخصية ومراكز النفوذ لا مشروع وطني يمتلك رصيد شعبي وتاريخ سياسي حاضر في الوجدان اليمني.

ويزداد التحدي تعقيد بروز شخصيات من الصف الثاني والثالث واجنحة متعددة من داخل المؤتمر تتنافس على قيادة الحزب وتوجيه مساره كما أن دخول أبناء وأقارب الرئيس الراحل علي عبدالله صالح على خط الصراع باعتبارهم الورثة السياسيين لرمزيته وتاريخه أسهم في تعميق حالة الاستقطاب الداخلي وتحويل الخلاف من تنافس تنظيمي مشروع إلى صراع على الزعامة والنفوذ وكأن المؤتمر تركة شخصية لا مؤسسة سياسية وطنية يفترض أن تتجاوز الأشخاص وتبقى ملكا لكل أعضائها وأنصارها.

وتوحيد المؤتمر الشعبي العام ليس مطلب مؤتمري فحسب وانما يمثل مصلحة وطنية تتجاوز حدود الحزب نفسه فوجود مؤتمر موحد وقوي موحد مهم لاستعادة العملية السياسية و فاعلية الاحزاب ودورها في قيادة الشارع وخلق اصطفاف وطني عريض في مواجهة المشروع الحوثي الارهابي واستعادة الدولة وإنهاء الانقلاب ولهذا فإن القوى السياسية والنخب الوطنية تنظر إلى استعادة المؤتمر لعافيته باعتبارها خطوة مهمة في مسار إعادة بناء التوازن السياسي الذي تحتاجه اليمن اليوم.

الرسالة هنا موجهة إلى قيادات المؤتمر المناهضة للمشروع الكهنوتي وإلى قواعده الشعبية التي وقفت في مواجهة المشروع الكهنوتي منذ بداياته الأولى وليس فقط منذ انقلاب عام 2014 فالمؤتمر الذي خاض معارك سياسية ووطنية طويلة لا يليق به أن يتحول إلى ساحة صراع بين مراكز النفوذ أو أن يصبح أسير لحسابات المناطقية أو الشخصنة أو مشاريع التوريث السياسي فالممارسات لا تحمي الحزب ولكنها تسرع من تآكله وتمنح خصومه فرصة إضافية لاستمرار إضعافه وتمزيقه.

أصبح للمؤتمر اليوم أكثر من جناح وأكثر من مرجعية وأكثر من متحدث باسم إرثه السياسي وهذه حالة لا يمكن أن تنتج حزب قادر على التأثير أو المنافسة أو قيادة مشروع وطني وأخطر ما في الأمر أن بعض الأصوات لا تزال تتعامل مع الأزمة باعتبارها صراع على من يرث المؤتمر بينما السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرح هو كيف يمكن إنقاذ المؤتمر نفسه من خطر التحول إلى مجرد ذكرى سياسية.

فطريق الخروج من الأزمة لا يكمن في التمسك بالوصايا السياسية أو إعادة تدوير الخلافات القديمة أو محاولة فرض الرؤى عبر أدوات النفوذ التنظيمي والرمزي ولكنه يبدأ من العودة الصادقة إلى الميثاق الوطني وأدبيات المؤتمر الشعبي العام وإجراء مراجعة شاملة لمسيرة الحزب منذ خروجه من السلطة وحتى اليوم ففي المراجعة تكمن الإجابات الحقيقية على أسباب التراجع ومكامن الخلل.

ويمكن الانطلاق نحو إعادة بناء الحزب على أسس وطنية وديمقراطية جامعة تستوعب الجميع وتعيد للمؤتمر دوره السياسي كما أن تفعيل نصوص الميثاق الوطني يظل المدخل الأهم لحسم الجدل القائم حول رئاسة الحزب باعتبار أن الميثاق نص بوضوح على أن رئيس الجمهورية هو رئيس المؤتمر الشعبي العام ويمكن للدكتور رشاد محمد العليمي بحكم موقعه السياسي ورئاسته للدولة أن يشكل مظلة توافقية تسهم في لم شمل المؤتمريين وإعادة توحيد صفوفهم كما أن نجاح أي عملية إصلاح وتجديد يظل مرهون بإفساح المجال أمام الكفاءات الشابة والمرأة للمشاركة الفاعلة في الهيكل القيادي للحزب بما يضمن تجديد أدواته وخطابه السياسي ويخرجه من دائرة الانشغال بصراعات الإرث السياسي إلى فضاء العمل الوطني وصناعة المستقبل.

وقيادات المؤتمر عليها أن تدرك أن استمرار الانقسام لن يؤدي إلى انتصار أي جناح والجميع سيخسر وسيكون الخاسر الأكبر هو الحزب نفسه وقاعدته الشعبية والدور الوطني الذي كان يؤديه أما الرهان على الوقت أو على إضعاف المنافسين داخل المؤتمر فلن ينتج سوى مزيد من التشظي والتراجع وفقدان الحضور السياسي.

المؤتمر الشعبي العام كان حزب دولة وحزب مجتمع في آن واحد واستعادته لدوره لا يمكن أن تتم إلا من خلال العودة إلى قيم العمل المؤسسي والديمقراطي واحترام التعدد داخل الحزب وخارجه أما محاولات الالتفاف على أدبياته أو توظيفه لخدمة مشاريع خاصة أو مصالح ضيقة فلن تحقق مكاسب دائمة لأي طرف مهما امتلك من نفوذ أو أدوات.

هذه ليست رسالة خصومة ولا موقف صادر من داخل التنظيم بقدر ما هي نصيحة محب يدرك أهمية المؤتمر الشعبي العام في المعادلة الوطنية اليمنية فاليمن بحاجة إلى أحزاب قوية ومؤسسات سياسية فاعلة وقادرة على الإسهام في صناعة المستقبل كما أنه بحاجة إلى مؤتمر يستعيد دوره كشريك وطني مؤثر لا كتنظيم منشغل بصراعات الورثة وتقاسم الإرث السياسي وإذا لم يبادر المؤتمريون اليوم إلى معالجة اختلالات حزبهم واستعادة وحدته التنظيمية فقد يأتي وقت لا يجد فيه الجميع ما يمكن إنقاذه.