قد يستغرب القارئ من هذا العنوان، ويتساءل عن المقصود منه، لكن لهذا العنوان قصة معي، بدات قبل شروق الشمس، وقبل أن أتناول قهوتي الصباحية، حين اقترب مني طفلي الصغير وسألني فجأة أبي... أين الوطن..
ابتسمت في البداية، وظننت أن السؤال عابر، فقلت له: الوطن يا بني هو الأرض التي نعيش عليها،
لكنه قاطعني سريعاً وقال أبي الوطن ليس هو من يقدم لنا الخدمات..
قلت له نعم يا بني، من واجبات الدولة أن توفر الخدمات وتحافظ على حياة الناس.
فأردف بأسئلة متلاحقة أربكتني أكثر مما أربكني سؤاله الأول إذن أين الماء.. وأين الكهرباء.. وأين الرواتب التي نسمع الناس يتحدثون عنها كل يوم..
ثم أضاف أبي العزيز، أنت تستلم راتبك بالعملة الوطنية، لكن عمي يعمل هنا داخل الوطن ويتقاضى راتبه بالريال السعودي. لماذا تختلف الرواتب بين أبناء الوطن، أليس الوطن للجميع، أليس من المفترض أن يكون أبناؤه متساوين في الحقوق والواجبات..
صمت قليلاً أحاول أن أجد إجابة تناسب براءة طفولته، لكنه واصل حديثه قائلاً يا أبي، لماذا كل من يتولى مسؤولية يصبح لديه بيت كبير وسيارات جديدة وأموال كثيرة.. لماذا نرى أبناء المسؤولين يعيشون أفضل منا ويلبسون أجمل الملابس ويسافرون إلى أماكن جميلة، بينما كثير من الناس لا يجدون ما يكفيهم من أساسيات الحياة..
كانت أسئلة طفل، لكنها حملت وجع مجتمع بأكمله. أسئلة خرجت من قلب صغير، لكنها لامست قضايا كبيرة يتداولها الناس في مجالسهم وبيوتهم وشوارعهم كل يوم.
في تلك اللحظة أدركت أن الوطن في نظر الأطفال ليس شعارات ترفع ولا كلمات تقال في المناسبات، بل هو ماء يصل إلى المنازل، وكهرباء تنير البيوت، وتعليم جيد، وفرص عمل، وعدالة يشعر بها الجميع، الوطن بالنسبة لهم هو أن يروا ثمار المسؤولية تنعكس على حياة الناس، لا أن تتحول المناصب إلى وسيلة للثراء والنفوذ..
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي وطن هو أن يفقد أبناؤه الثقة بأن المسؤولية تكليف لخدمة الناس، وليس تشريف من اجل تحقيق المصالح الشخصية. فحين يرى المواطن الفساد يتسع، والخدمات تتراجع، والمعاناة تزداد، يصبح سؤال أين الوطن. سؤالًا مشروعاً يتردد على ألسنة الكبار قبل الصغار، الوطن الحقيقي هو الذي يشعر فيه المواطن أن حقوقه مصانة، وأن ثرواته تدار بعدالة، وأن المسؤول يعمل من أجل الناس لا من أجل نفسه. وهو المكان الذي يحلم فيه الأطفال بمستقبل أفضل، لا أن يكبروا وهم يحملون الأسئلة ذاتها التي عجز آباؤهم عن الإجابة عنها.
غادرت منزلي ذلك الصباح، لكن سؤال طفلي بقي يرافقني طوال الطريق أبي... أين الوطن