في كل صباح يصحو المواطن على تفاصيل حكاية يومية معقدة، فصولها غلاء المعيشة، وارتفاع أسعار الوقود والغذاء والدواء، وتذبذب صرف المرتبات،
وتدهور الخدمات الأساسية كالكهرباء، وضعف خدمات القطاع الصحي الحكومي،
وبين هذا وذاك يضيع يوم المواطن في البحث المضني عن مقومات الحياة الأساسية.
ولم تكن البيئة المحيطة به بأرحم من واقعه؛ فالأزمات الدولية تعصف بالمنطقة، والتوترات المستمرة في الممرات المائية كمضيق هرمز والبحر الأحمر جعلت خطوط الملاحة الدولية ساحة حرب غير معلنة. هذا التوتر دفع شركات الشحن الدولي إلى رفع كلفة النقل والتأمين البحري إلى أرقام فلكية، لتصل البضائع إلى موانئنا مثقلة بأعباء لم يكن لبلدنا يد فيها.
لكن السردية الاقتصادية للحكومة بدت وكأنها تقرأ من كتاب آخر، فبدلاً من أن تبادر السلطة التنفيذية إلى اتخاذ إجراءات حمائية تخفف عن المواطن وطأة هذا الغلاء العالمي الواصل إلى شواطئنا، تفاجأ الجميع بقرار رفع سعر "الدولار الجمركي". جاء هذا القرار ليزيد الطين بلة، ويحمل طيات قاسية في كتاب معيشة المواطن؛ إذ إن رفع الجمارك في ظل هذه الظروف الاقتصادية ليس مجرد رقم إضافي في الدفاتر الحكومية، بل هو سياط غلاء جديدة تُجلد بها ظهيرات الأسر المتعبة، حيث من المتوقع أن يترجم القرار إلى ارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية.
وهنا تبرز المفارقة: كيف للحكومة أن تطالب المواطن بالصبر والاحتمال وسداد الضرائب المرتفعة، في وقت لا يرى فيه الشارع أي بادرة تقشف حقيقية من جانب السلطة نفسها؟ إن المنطق والعدالة يقتضيان أن تبدأ الدولة بجراحة إنقاذية لجسدها الإداري أولاً قبل أن تمتد يدها إلى الجيوب الخاوية.
نستغرب ويستغرب العالم من حولنا استمرار بقاء سفارات وملحقيات دبلماسية وعسكرية كاملة التشكيل في دول أجنبية وعربية لا يوجد فيها تمثيل حقيقي أو جاليات يمنية تذكر! أو أن المصالح المشتركة معها تكاد تكون منعدمة.
تبدأ الحكاية الحقيقية للإصلاح عندما تقرر الحكومة مراجعة دفاترها الداخلية، وهناك مسارات واضحة لخفض الإنفاق بدلاً من زيادة الأعباء الضريبية.
إن أولى خطوات مسار الإنقاذ وبدائل الضرائب تتطلب تفكيك التضخم الدبلوماسي وإغلاق البعثات والأعباء الفائضة فوراً، أو دمجها، أو تحويلها إلى قنصليات مصغرة ومكاتب تنسيقية تدار عن بعد وبأقل كلفة ممكنة، لإيقاف نزيف العملة الصعبة.
كما أن الميزانية العامة يجب أن تكون خطا أحمرا لا يمكن استنزافه بمبالغ ضخمة بالعملات الأجنبية كمرتبات ومخصصات لأعضاء الرئاسة و للمسؤولين والوزراء والوكلاء والمستشارين الذين يقيمون خارج البلاد. يضاف إلى ذلك ميزانيات السفر والوفود والرحلات الرسمية التي يمكن في عصر التكنولوجيا الحالي الاستعاضة عن معظمها بالاجتماعات الافتراضية.
إن تقليص هذه النفقات وربط البقاء في المنصب بالتواجد داخل الوطن هو المقياس الحقيقي لاستشعار المسؤولية.
أننا بحاجة ماسة إلى ردم فجوة الترهل الإداري والدمج الحكومي، حيث يتسم الهيكل الإداري الحالي بالترهل والازدواجية؛ فثمة وزارات وهيئات ومجالس وصناديق وقوات تتداخل اختصاصاتها وتتضاعف ميزانياتها التشغيلية دون أثر ملموس على الأرض. إن دمج الوزارات المتشابهة وإلغاء الهيئات غير الضرورية وتقليص جيش المستشارين والوكلاء سيوفر لخزينة الدولة مبالغ ضخمة كفيلة بسد العجز دون الحاجة لرفع الدولار الجمركي.
إن حكاية الإنقاذ الاقتصادي لا يمكن أن يكتبها طرف واحد يتحمل كل التضحيات وهو المواطن، بينما يستمر الطرف الآخر في الإنفاق دون كوابح. يا حكومتنا الرشيدة، إن شعور المواطن بالعدالة يبدأ عندما يرى حكومته تطبق التقشف على نفسها أولاً؛ فاخفضوا النفقات وعيشوا معنا عيشة الفقراء، واجعلوا من كفاءة الإنفاق سلاحكم في مواجهة الأزمات، لكي تعبر البلاد هذه الأمواج المتلاطمة بأقل الخسائر.