في زمن اختلطت فيه الحسابات السياسية بالمصالح الضيقة وتقدمت فيه المشاريع الصغيرة على حساب الدولة الوطنية بقيت قضية اليمن الكبرى بحاجة إلى رجال يمتلكون شجاعة الموقف ووضوح الرؤية وإدراك خطورة المرحلة التي تمر بها البلاد والمنطقة ومن بين هذه الشخصيات الوطنية يبرز اسم أحمد الميسري كأحد أبرز الأصوات التي تمسكت بمفهوم الدولة والسيادة والشراكة الوطنية بعيدًا عن منطق التبعية أو الارتهان
لم يكن الميسري سياسيًا عابرًا في المشهد اليمني بل حمل مشروعًا يقوم على إعادة الاعتبار للدولة اليمنية ومؤسساتها وعلى تصحيح الاختلالات التي تراكمت عبر عقود طويلة سواء في توزيع السلطة أو الخدمات أو في شكل العلاقة بين المركز والأطراف
ومن المواقف التي كشفت طبيعة هذه الشخصية موقفه من ملف مياه أبين عندما كان محافظًا للمحافظة حيث رفض أن تبقى أبين محرومة من حقها الطبيعي في المياه بينما تذهب مواردها لخدمة مناطق أخرى وفق ترتيبات قديمة تعود إلى زمن الاستعمار البريطاني الذي ركّز التنمية والخدمات في عدن وأهمل محيطها الريفي لعقود طويلة
لكن ما ميّز الميسري أنه لم يتعامل مع القضية بعقلية مناطقية أو انتقامية بل بمنطق الدولة العادلة التي تضمن الحقوق للجميع ولذلك كان موقفه واضحًا لا حرمان لعدن من المياه ولكن لا يمكن أن تستمر أبين في المعاناة والتهميش
هذا التفكير العميق كشف مبكرًا أن الرجل لا يتحرك بردود فعل شعبوية بل وفق رؤية استراتيجية ترى أن العدالة هي أساس الاستقرار وأن معالجة الاختلالات التاريخية ضرورة لبناء دولة قوية وآمنة
وحين جاءت أحداث عام 2019 دخل الميسري واحدة من أعقد المعارك السياسية والسيادية في تاريخ اليمن الحديث ووقف موقفًا دفع ثمنه سياسيًا وشخصيًا لكنه ظل ثابتًا على قناعته بأن اليمن يجب أن يمتلك قراره الوطني بعيدًا عن مشاريع التقسيم وإضعاف مؤسسات الدولة
في تلك المرحلة تعرض الرجل لحملات كبيرة ووجد نفسه في مواجهة قوى متعددة لكن السنوات اللاحقة أثبتت أن كثيرًا من مواقفه وتحذيراته كانت صحيحة وأن نظرته لم تكن مجرد خلاف سياسي عابر بل قراءة استراتيجية لمستقبل اليمن والمنطقة
إن أهمية أحمد الميسري لا تتعلق فقط بشخصه أو بموقعه السياسي بل بما يمثله من مشروع وطني يؤمن بأن استقرار اليمن هو جزء أساسي من استقرار المنطقة وأن انهيار الدولة اليمنية لن يهدد اليمنيين وحدهم بل سيمتد أثره إلى أمن الخليج والجزيرة العربية والممرات الدولية
ولهذا فإن وجود شخصيات وطنية تمتلك هذا النوع من الوعي السياسي والسيادي يمثل ضرورة لحماية اليمن والحفاظ على توازناته الداخلية وعلاقاته الإقليمية لأن بناء الشراكات الحقيقية مع دول الجوار لا يكون عبر التبعية بل عبر الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وحماية سيادة الدول
لقد أثبتت التجارب أن الأوطان لا تبنى بالشعارات المؤقتة ولا بالمشاريع الصغيرة بل تبنى برجال دولة يدركون معنى السيادة الوطنية ويؤمنون بأن اليمن أكبر من كل الخلافات وأبقى من كل التحالفات المتغيرة
ولهذا سيظل أحمد الميسري حاضرًا كأحد الأصوات التي رفعت شعار اليمن أولًا وتمسكت بالدولة حين تخلى عنها كثيرون ودافعت عن السيادة الوطنية حين أصبحت كلفتها باهظة ووقفت مع الوطن الكبير في زمن الانقسامات والمشاريع الضيقة