الخطوة التي أقدم عليها الدكتور مختار الرباش، محافظة أبين، بتقديم إقرار الذمة المالية اليوم لهيئة مكافحة الفساد في العاصمة المؤقتة عدن، لا يمكن قراءتها كإجراء إداري روتيني. هي رسالة سياسية وأخلاقية في توقيت يتطلب من المسؤول أن يبدأ بنفسه قبل أن يطالب الآخرين.
لسنوات، ظل مفهوم "إقرار الذمة" في وعي الناس مجرد نص قانوني معطل. ورقة تُوقّع وتُنسى، بلا أثر ميداني ولا متابعة حقيقية.
لذلك حين يخرج مسؤول بمرتبة محافظ ليعلن أنه قدم إقراره لأول مرة، فإن الحدث يكتسب قيمة رمزية تتجاوز الإجراء نفسه.
القيمة هنا في كسر حاجز الصمت، وإعادة الاعتبار لفكرة أن الوظيفة العامة أمانة قبل أن تكون امتيازاً.
الشفافية لا تُطلب بالخطاب فقط
الحديث عن مكافحة الفساد وبناء الثقة بين الدولة والمواطن تكرر حتى أصبح مملاً. المشكلة لم تكن يوماً في غياب الشعارات، بل في غياب النموذج.
المواطن لا يصدق الخطاب ما لم يرَ فعلاً ملموساً.
تقديم إقرار الذمة من رأس الهرم في المحافظة يضع الجميع أمام مسؤوليتهم.
إما أن تسير المنظومة كلها في نفس الاتجاه، أو يتحول الإجراء إلى استثناء يؤكد القاعدة.
الرسالة إلى الداخل والخارج
في الداخل، الرسالة واضحة للموظف والتاجر والمواطن العادي: لا أحد فوق المساءلة. السلطة ليست درعاً يقي من السؤال، بل مسؤولية تفرض السؤال أولاً.
وفي الخارج، هي رسالة تطمين للشركاء والمنظمات الداعمة بأن هناك قيادة محلية مستعدة للعمل وفق معايير الحكم الرشيد، وهو ما يفتح الباب أمام دعم أكثر فاعلية.
لكن التحدي يبدأ الآن
تقديم الإقرار خطوة أولى، لكنها خطوة محورية لأنها تأتي من رأس الهرم. المحافظة التي يبادر محافظها بالإفصاح طوعاً، تضع معياراً أخلاقياً يصعب تجاهله. هذا الموقف يستحق التقدير لأنه يخرج عن المألوف ويعيد الاعتبار لفكرة أن المسؤول الأول هو الأكثر التزاماً بالقانون.
المرحلة القادمة تحتاج إلى بناء على هذه المبادرة لا إلى التشكيك فيها. فحص الإقرارات ومراجعتها قانونياً أمر مطلوب، لكن الأهم أن تتحول إلى ممارسة سنوية يلتزم بها كل مدير مكتب ومدير مديرية اقتداءً بالمحافظ. إذا تم ذلك، سنتحدث عن تحول حقي في ثقافة الإدارة، وإذا توقف الأمر عند الشكل، فالمسؤولية ستقع على من لم يلتقط الإشارة.
المواطن يريد أن يرى الدولة في التفاصيل
الناس لا يطالبون المستحيل، يريدون نموذجاً يُحتذى به. وما فعله الدكتور مختار الرباش يقدم هذا النموذج عملياً: مسؤول يبدأ بنفسه قبل أن يطالب الآخرين. إقرار الذمة أداة بسيطة، لكنها تكشف نية واضحة نحو الشفافية والانضباط.
اليوم في أبين، الفرصة متاحة لتحويل هذه المبادرة إلى عادة إدارية راسخة. الكرة الآن في ملعب بقية المسؤولين ومؤسسات الرقابة والمجتمع لدعم هذه الخطوة وتحويلها إلى مسار دائم. إن تم ذلك، ستحسب للمحافظ وللمحافظة خطوة متقدمة في مسار استعادة ثقة الناس بالدولة.